الأمن الغذائي وحقوق المستهلك: التحول إلى الدقيق الكامل كاستراتيجية وطنية لحماية الصحة والاقتصاد

محمود إبراهيم النقيب

​في خطوة شجاعة تُعدّ من أبرز القرارات الاستراتيجية والتاريخية لوزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار، تتواصل الجهود الحكومية والمجتمعية لتطبيق قرار رفع نسبة استخلاص الدقيق بشكل تدريجي (من 72% وصولاً إلى 80% في المرحلة الأولى، ثم 86% في الأول من أكتوبر، وصولاً إلى 90% مع بداية عام 2027م).

وقد تجلّى هذا التوجه الاستراتيجي مؤخراً في الورشة الهامة التي نظمتها الوزارة بمشاركة واسعة من قيادة الدولة، والجهات الرقابية، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني للوقوف على الأبعاد الصحية والاقتصادية لرفع نسبة الاستخلاص.

​تجسيد حقوق المستهلك الدولية في القرار الوطنية

​إن التحول من الدقيق الأبيض المجرد من المغذيات إلى الدقيق المركب وطحين الحبة الكاملة لا يمثل مجرد إنجاز تمويني، بل هو تطبيق عملي ومباشر لإرشادات الأمم المتحدة لحماية المستهلك (UN Guidelines for Consumer Protection)؛ فهذا القرار يحقق الحق الأول من حقوق المستهلك في إشباع الاحتياجات الأساسية عبر توفير غذاء ذي قيمة تغذوية عالية، ويجسد الحق في السلامة والصحة بحماية المواطنين من الأمراض المزمنة المرتبطة بالدقيق الأبيض كأداء السكري والقولون والسمنة. كما يكفل الحق في التوعية والتثقيف والحصول على المعلومات لتصحيح المفاهيم الغذائية المغلوطة والتحول نحو نمط استهلاكي صحي، ويضمن الحق في الاستماع لرأي المستهلك وترسيخ الشراكة المجتمعية عبر إشراك جمعية حماية المستهلك ومنظمات المجتمع المدني في صياغة وتنفيذ هذه السياسات الوطنية المستدامة.

​أولاً: أدوار الأدوات والجهات المعنية لضمان نجاح القرار

​1. وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار (الجهة الرسمية والراعية)

​المتابعة والرقابة الميدانية: تشكيل لجان ميدانية مشتركة لدعم المخابز ومتابعة الالتزام بنسب الاستخلاص المحددة (86%).

​الدعم الفني والتدريب: تنظيم دورات تطبيقية لأصحاب المخابز ومعامل الحلويات على تقنيات العجن والاستخلاص الجديد للحفاظ على جودة المنتجات وطراوتها.

​ربط سلاسل الإنتاج: تشجيع وتوسيع زراعة الحبوب المحلية (القمح، الذرة، الدخن) وربط المزارعين بالمطاحن ثم بالأفران ضمن دورات إنتاجية مستدامة تعزز الاعتماد على الذات.

​2. الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة

​تحديث اللوائح الفنية: وضع وضبط المعايير والمواصفات القياسية للجودة والخواص الفنية لدقيق الاستخلاص العالي (86%).

​الفحص المخبري الدقيق: إجراء فحوصات دورية وشاملة لعينات المطاحن والمخابز للتأكد من خلو المنتجات من أي إضافات ضارة والتزامها بالنسبة المطلوبة.

​3. القطاع الخاص (شركات المطاحن والغرف التجارية)

​المطاحن: الالتزام التقني بالمعايير الاستخلاصية وتكييف خطوط وآلات الطحن، والمساهمة الفاعلة في الحملات التوعوية والإعلامية.

​الغرف التجارية: حشد جهود مجتمع الأعمال لدعم القرار، والعمل كحلقة وصل بين الحكومة والموردين لضمان استقرار الأسواق واستدامة الإنتاج.

​4. جمعية حماية المستهلك ومنظمات المجتمع المدني

​ترسيخ الدفاع عن حقوق المستهلك: استكمال مسيرة نضالها بالتأكيد على حق المستهلك الأصيل في السلامة والتغذية الصحّية.

​الرقابة المجتمعية: رصد انطباعات الشارع والمستهلكين وإيصال الملاحظات إلى الجهات الرسمية لضمان استمرار الجودة وتوفر السلعة بأسعار عادلة.

 

​ثانياً: توعية المستهلك وتغيير النمط الاستهلاكي

​يُعد المستهلك حجر الزاوية في إنجاح هذا التحول، مما يستوجب حملة توعية شاملة تركز على:

​إبراز الفوائد الصحية: توضيح دور طحين الحبة الكاملة والدقيق المركب في إمداد الجسم بالألياف، الفيتامينات، والمعادن، والحد من الأمراض المزمنة.

​التنبيه من أضرار الدقيق الأبيض: نشر الوعي حول الآثار السلبية لإزالة قشرة وجنين القمح والتي تفقد الخبز أصل قيمته الغذائية.

​تغيير ثقافة الرغيف: تصحيح المفهوم الخاطئ الذي يربط جودة الخبز بلونه الأبيض الناصع، وترسيخ مفهوم “الرغيف الكامل = صحة وحيوية”.

​ثالثاً: دور قطاع السياسات والدراسات والتخطيط

​تكتسب الدراسات الميدانية أهمية بالغة لضمان سلاسة التحول عبر:

​قياس القبول الاجتماعي: إجراء مسوحات ميدانية لقياس مدى تقبل المستهلكين للنمط الغذائي الجديد ومدى رضاهم عن جودة الرغيف.

​تقييم جاهزية السوق والمخابز: تحديد التحديات الفنية أو التشغيلية التي تواجه القطاع الخاص والمخابز أثناء التطبيق والعمل على تذليلها.

​تقديم المعالجات العلمية من خلال رفع تقارير دورية لصناع القرار تتضمن حلولاً عملية وسريعة لضمان استدامة القرار وتطوير المخرجات.

​خلاصة: إن النجاح في الانتقال إلى نسبة استخلاص 86% وما يليها هو ترسيخ عملي لحقوق المستهلك الدولية، ومسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكامل القرار الحكومي مع التزام القطاع الخاص ووعي المستهلك لتوفير رغيف خبز أكثر صحة واستدامة للجميع.

By admin