المستشار… فلسفة الخبرة وهيبة المنصب بين الأصالة وتشويه المفهوم

محمود النقيب

محمود النقيب

تمهيد: عندما تصبح الخبرة ثروة وطنية ..
لا تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من موارد مادية فحسب، بل بما تملكه من خبرات بشرية وعقول راكمت المعرفة عبر سنوات طويلة من العمل والعطاء. ومن هنا نشأت فكرة المستشار، ليس بوصفه موظفًا يؤدي أعمالًا تنفيذية، وإنما بوصفه صاحب خبرة يُرجع إليه في الرأي، ويُستفاد من حكمته في صناعة القرار، وتوجيه السياسات، ونقل المعرفة المؤسسية إلى الأجيال الجديدة.
ولذلك، لم يكن منصب المستشار في نشأته مكافأة وظيفية، ولا لقبًا بروتوكوليًا، بل كان تعبيرًا عن تقدير الدولة لخبرات تراكمت عبر عقود، وإيمانًا بأن الخبرة مورد استراتيجي لا يقل أهمية عن الموارد المالية أو التقنية.
أولًا: المستشار… جذور تاريخية وفلسفة مؤسسية
عرفت الحضارات القديمة، كما عرفت الحضارة الإسلامية، قيمة أهل الرأي والمشورة، حتى قبل ظهور المسمى الإداري الحديث. فقد أحاط الحكام أنفسهم بأصحاب الحكمة والخبرة، واستندوا إلى آرائهم في القضايا الكبرى. ومع تطور مؤسسات الدولة الحديثة، أصبح منصب المستشار يمثل موقعًا مهنيًا رفيعًا، يُمنح لأصحاب الكفاءة والتجربة الطويلة، بهدف الإسهام في صناعة القرار، لا في أداء الأعمال التنفيذية اليومية.
ثانيًا: المستشار… خبرة تتراكم لخدمة الدولة لا وظيفة تُقاس بساعات الدوام
إن من أكثر الأخطاء شيوعًا النظر إلى المستشار باعتباره موظفًا عاديًا يُقاس أداؤه بعدد
ساعات الحضور والانصراف. والحقيقة أن وظيفة المستشار تختلف في طبيعتها عن الوظائف التنفيذية؛ فجوهرها هو تقديم الرأي المتخصص، وتحليل القضايا، واستشراف البدائل، ونقل الخبرات المتراكمة إلى الجهات التي يعملون بها.
ولهذا، فإن كثيرًا من المستشارين هم ممن أمضوا أربعين عامًا أو أكثر في الخدمة العامة، وبلغوا من النضج المهني ما يجعل خبراتهم رصيدًا وطنيًا ينبغي استثماره، لا إهداره. فليس من المنطق أن يُقاس من قضى عمره في بناء الوزارات والمؤسسات بالمعايير نفسها التي يُقاس بها موظف لا يزال في بداية مسيرته الوظيفية، لأن اختلاف المرحلة يقتضي اختلاف طبيعة الدور.
ثالثًا: لماذا تراجعت هيبة المنصب؟
إن ما أصاب منصب المستشار من تراجع في صورته الذهنية لا يعود إلى فلسفة المنصب نفسها، بل إلى سوء الممارسة. فقد أدى التوسع في منح هذا المسمى، في بعض الجهات، دون تحديد اختصاصات واضحة أو حاجة فعلية، إلى إضعاف قيمته، حتى أصبح البعض ينظر إليه على أنه مجرد لقب أو وسيلة للتكريم، لا موقعًا وظيفيًا يقوم على الخبرة والمسؤولية.
غير أن الخلل يكمن في آليات التعيين والاستفادة من المستشارين، وليس في المنصب ذاته. فكما أن سوء اختيار المدير لا ينتقص من قيمة الإدارة، فإن سوء استخدام منصب المستشار لا ينتقص من قيمة الاستشارة بوصفها أداة من أدوات الحكم الرشيد.
رابعًا: كيف نستعيد الاعتبار لمنصب المستشار؟
إن إعادة الاعتبار لهذا المنصب تتطلب:
وضع معايير موضوعية لاختيار المستشارين، تقوم على الكفاءة والخبرة.
تحديد مهام واختصاصات واضحة، وربطها باحتياجات الجهات.
الاستفادة من خبراتهم في التخطيط، وصناعة القرار، وتقييم السياسات، وبناء القدرات.
ترسيخ ثقافة مؤسسية تؤمن بأن الخبرة المتراكمة رأس مال وطني يجب الحفاظ عليه واستثماره.
خاتمة:
إن الأمم التي تحترم خبراتها هي الأمم الأقدر على صناعة مستقبلها. فالشباب يمثلون طاقة التنفيذ والتجديد، بينما يمثل أصحاب الخبرة ذاكرة الجهات والمؤسسات وحكمة القرار. ولا تعارض بين الطرفين، بل إن نجاح الدولة الحديثة يقوم على التكامل بينهما.
ومن هنا، فإن منصب المستشار ليس امتيازًا شخصيًا، ولا وظيفة تقاس بساعات الدوام، وإنما مسؤولية معرفية ووطنية، ورسالة تستثمر فيها الدولة خلاصة تجارب أبنائها، وتحوّل سنوات العطاء الطويلة إلى قوة مؤسسية تدعم القرار، وتحفظ استمرارية المعرفة، وتصنع الفارق بين إدارة تعتمد على الأفراد، وأخرى تبني مؤسساتها على تراكم الخبرة.
فالجهات والمؤسسات الناجحة لا تُدار بالشباب وحدهم، ولا بخبرة الكبار وحدها، وإنما بالتكامل بين طاقة التنفيذ التي يمثلها الشباب، وحكمة التجربة التي يجسدها أصحاب الخبرة. وعندما يُفهم منصب المستشار على هذا الأساس، فإنه يستعيد مكانته بوصفه أحد أهم أدوات دعم القرار، لا مجرد لقب إداري.

By admin