الحرب في اليمن.. صراع الروايات وغياب الاستقلال الإعلامي

يحيى الضبيبي

 

امتدت الحرب في اليمن إلى ما وراء خطوط التماس والجغرافيا العسكرية، واستقرت في المجال الذي تتشكل فيه صورة الواقع داخل الوعي العام. صار الحدث يعيش مرتين؛ مرة في ميدانه المادي، ومرة في اللغة والصورة والخبر والذاكرة. وبين الواقعتين تتشكل سلطة الإعلام، بوصفه وسيطاً يعيد ترتيب الوقائع، ويمنح بعضها موقعاً في الذاكرة، ويدفع بعضها الآخر إلى الهامش.

 

والحرب، في جوهرها السياسي، صراعٌ على الجغرافيا وعلى السردية التي تعرّف هذه الجغرافيا وتمنحها مشروعيتها. ومن يمتلك القدرة على صياغة الرواية يمتلك جانباً من القدرة على تحديد صورة الضحية والجاني، وتفسير العنف، ووضعه في سياقه، ورسم حدود ما يدخل في دائرة الرؤية العامة وما يُدفع إلى الظل. ومن هنا غدت الصحافة جزءاً من بنية الصراع اليمني وأحد ميادينه العميقة؛ لأن القدرة على وصف الحرب تمنح صاحبها، بقدرٍ ما، قدرة على تشكيل صورتها في الوعي العام. ومع تعدد مراكز القوة وتضارب مصالحها، تتحول اللغة نفسها إلى ساحة سياسية؛ فتسمية القتيل، ووصف الفاعل، وتحديد موقع الجريمة في سياقها الزمني، وانتقاء الصورة، وإبراز شهادة وحجب أخرى، كلها اختيارات تتجاوز النقل المحض إلى صناعة المعنى، وتؤثر في الطريقة التي تُفهم بها الحرب وتُحفظ بها ذاكرتها.

 

فما يصل إلى الجمهور ليس الحدث في حالته الأولى، بل الحدث بعد أن يمر عبر سلسلةٍ من عمليات الانتقاء والتأطير. فهو يعبر لحظة الالتقاط، ومصدر المادة، وزاوية التصوير، والعبارة التي تصفه، والمساحة التي تُمنح له، والتوقيت الذي يُنشر فيه، والسياق الذي يُدرج داخله. وقد تكون الصورة صحيحةً في أصلها، ثم يتبدل معناها حين تُنقل من زمنٍ إلى آخر أو من مكانٍ إلى آخر، أو حين تُنتزع من ظروفها المحيطة. وقد يكون التسجيل حقيقياً، فيما تُحمّله الرواية المرافقة دلالاتٍ لا يثبتها التسجيل نفسه.

 

وفي بيئة الحرب، لا تعاني الصحافة ندرة المعلومات بقدر ما تواجه فائضها، حتى تصبح الوفرة ذاتها امتحاناً للمهنة. فمع اتساع فضاء النشر وتعدد الفاعلين، تتدفق الروايات والصور والشهادات والبيانات من مصادر متباينة، ويغدو التحدي الحقيقي في التمييز بين ما يستند إلى واقعة قابلة للتحقق وما تحمله الأطراف من روايات ومواقف وتأويلات. هناك البيان العسكري، وشهادة المدني، ومادة أطراف القتال، وصور المواطنين، والحسابات المجهولة، والتقارير الحقوقية، وما يتداول عبر منصات التواصل؛ وكل مصدر منها يقدم جزءاً من المشهد، وقد يقترب من الحقيقة بدرجات متفاوتة، تبعاً لطبيعة مصدره وسياقه ووسيلة الحصول عليه. وفي هذا التدفق الكثيف، لا يصبح الانتشار دليلاً على صحة المحتوى، وإنما على سرعة تداوله واتساع نطاق وصوله، فيما يظل التحقق المنهجي هو الطريق الأوثق لتمييز الوقائع من الروايات، والمعلومة من التأويل، وما تثبته الأدلة مما تروّجه الأطراف المتنافسة.

 

وتتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى غرفة الأخبار الأولى في كثير من الوقائع. يصل الفيديو إلى الجمهور قبل أن يصل إلى الصحفي، وتتقدم الصورة على التحقيق، وتسبق الرواية عملية التثبت. وهنا تتحدد إحدى أهم وظائف الصحافة المعاصرة: تحويل تدفق المعلومات إلى معرفة قابلة للاختبار، وتحويل المادة الخام إلى واقعة يمكن مساءلتها من حيث المصدر والسياق والدلالة.

 

ومن هنا يغدو التثبت في زمن الحرب عملاً معرفياً شاقاً. فالبحث عن النسخة الأصلية للصورة، ومقارنة النسخ المتداولة، وتحديد الموقع الجغرافي، ومراجعة التوقيت والطقس والظلال وحركة المركبات والعلامات المكانية، وتتبع الحساب الذي نشر المادة أول مرة، ثم مقارنتها بشهادات ومصادر مستقلة، تفاصيل قد تبدو هامشية أمام اندفاع الحدث، لكنها هي التي تفصل بين الصحافة والتداول. فالخبر المهني لا يستمد قيمته من سبقه إلى النشر فحسب، وإنما من قدرته على البقاء حين يوضع تحت الاختبار.

 

صناعة الانطباع الأول وتطبيع العنف

غير أن التحقق لا يصطدم بمشكلة صحة المعلومات وحدها؛ فالزمن نفسه يفرض إكراهه على العمل الصحفي، فسرعة النشر تصنع انطباعاً أولياً يتشكل في لحظات، بينما يحتاج التصحيح إلى وقت ومساحة وانتباه. وفي المسافة الفاصلة بين الاثنين تتولد إحدى أعقد مشكلات الإعلام في زمن الحرب. ففي أخبار القتل والدمار والخوف، تمتلك الصورة الأولى قدرة استثنائية على ترسيخ نفسها في الذاكرة. وقد تبلغ رواية ناقصة ملايين المتلقين قبل أن تكتمل عناصرها، ثم تظهر لاحقاً معلومات تنقض بعض تفاصيلها، فتظل الرواية الأولى حاضرة في الوعي، حتى بعد أن تفقد سندها أمام الأدلة. وهنا يصبح الزمن جزءاً من صناعة الحقيقة المتداولة، لا مجرد ظرف يحيط بنشرها.

 

ويصل الجمهور إلى هذه العملية محملاً بذاكرة اجتماعية وسياسية كثيفة. ويستقبل المواطن صورة الحرب من خلال ذاكرة مناطقية وسياسية ومذهبية، وتجارب شخصية مع الخوف والفقد والنزوح، وانتماءات حزبية واجتماعية، وخصومات تراكمت عبر سنوات الصراع. لذلك لا تُستقبل الصورة دائماً بوصفها صورة لإنسان يواجه مصيره، وإنما قد تتحول في الوعي المنقسم إلى علامة على جماعة أو منطقة أو مشروع سياسي. وحين تتقدم الهوية على إنسانية الضحية، ينحسر التعاطف إلى دوائر انتقائية، ويصبح الموت نفسه قابلاً للتأويل وفق موقع الميت في الخريطة السياسية.

 

ومن هذا الانقسام في النظر إلى الضحية، يتولد أثر آخر أشد رسوخاً يتمثل في اعتياد العنف؛ فكثافة صور الجثث والأطفال الجرحى والدمار والقصف قد تجعل المشهد المأساوي جزءاً من الاستهلاك اليومي للأخبار، ومع تكرارها تتراجع صدمة الصورة، ويغدو الألم مادة مألوفة في فضاء سريع التداول. وفي بعض السياقات، تُستخدم الصور في التعبئة والتحريض أكثر مما تُستخدم في الإخبار، فتتحول كرامة الضحايا إلى وقود للخصومة.

 

ولعل أخطر ما تفعله الحرب حين تطول أنها تعيد تشكيل الحس الأخلاقي تجاه الموت. فالقتيل، الذي كان إنساناً له اسم وبيت وأم وأب وأصدقاء وحياة لم تكتمل، قد يُجرّد في الخطاب العام من فرديته، ويُختصر في انتمائه، فيصبح «قتيل هذا الطرف» أو «قتيل تلك الجماعة». عندها تُقاس قيمة موته من خلال موقعه في خريطة الاصطفاف، ويغدو التعاطف نفسه خاضعاً للهوية السياسية والاجتماعية. وهنا يكون العنف قد غادر ميدان السلاح ودخل اللغة والوعي، إذ يصبح ألم الإنسان قابلاً للقبول أو الرفض وفق الجهة التي يُنسب إليها.

 

والتكرار، في هذه الحالة، لا يضاعف بالضرورة قدرة المجتمع على إدراك المأساة؛ فقد ينتهي إلى تطبيعها. يصبح المشهد الذي كان صادماً في بدايته جزءاً من الحياة اليومية، ويغدو موت الآخر خبراً عابراً، وقد يتحول ألم الضحية إلى مادة للمزايدة السياسية أو التشفي أو التعبئة. وعندما يبلغ الأمر هذه المرحلة، تكون الحرب قد مسّت معياراً أخلاقياً أعمق من الموقف من أطرافها، هو حق الإنسان في أن يُرى بوصفه إنساناً قبل أن يُرى بوصفه تابعاً لجماعة.

 

لهذا تفرض الصور والمقاطع الصادمة على الصحافة مسؤولية أخلاقية تتجاوز مجرد قرار النشر من عدمه. وتبقى المصلحة العامة معياراً جوهرياً في تقدير هذا القرار، فيما تظل كرامة الإنسان قيداً مهنياً لا تسقطه فظاعة الحدث. ويمكن الاحتفاظ بالمواد الأصلية لأغراض التحقق والتحقيق والأرشفة، على أن تُنشر نسخة تراعي خصوصية الضحايا، فتحجب الوجوه والبيانات التي قد تعرض أصحابها للخطر، وتولي الأطفال والنساء والجرحى والأسرى عناية مضاعفة.

 

وتتضاعف هذه المسؤولية عند التعامل مع صور الأسرى أو التسجيلات التي تتضمن اعترافات جرى تصويرها في ظروف ضغط أو إذلال؛ فالإكراه المحتمل لا يجوز أن يتحول، بمجرد بث التسجيل، إلى حقيقة صحفية مكتملة. كذلك قد تحمل المعلومة الصحيحة، في لحظة معينة، خطراً على حياة الناس. فتحديد موقع مدني، أو كشف حركة قوات، أو نشر تفاصيل ميدانية حساسة، قد يحول الخبر من أداة للمعرفة إلى عامل للخطر. ومن ثم تقتضي الممارسة المهنية تقدير التوقيت، وحذف التفاصيل المؤذية أو تأجيلها عند الضرورة، مع إبقاء مقتضيات السلامة ضمن إطار محدد، حتى لا تتحول إلى ذريعة دائمة لحجب المعلومات.

 

وفي مجتمعنا اليمني الذي أنهكته الحرب وأثقلته الانقسامات، تكتسب اللغة الإعلامية مسؤولية مضاعفة؛ فالكلمة هنا لا تصف الواقع فحسب، وإنما قد تسهم في تشكيله وتوسيع شروخه. لذلك ينبغي أن يظل الفعل المسند إلى شخص أو وحدة أو مؤسسة مرتبطاً بالجهة التي تثبت مسؤوليتها عنه؛ فالشهادة تظل شهادة، والاتهام اتهاماً، والبيان بياناً، والواقعة المثبتة واقعة. أما إسناد فعل محدد ذي طابع فردي إلى جماعة اجتماعية أو منطقة أو طرف بأكمله، فيتجاوز حدود توصيف الحدث إلى توسيع نطاق الخصومة من المجال السياسي إلى المجال الأهلي، ويحوّل الإعلام، من حيث لا ينبغي، إلى أحد مسارات إنتاج العداوة الجماعية.

 

الصحافة الحساسة للنزاع

وإذا كانت مسؤولية الصحافة تبدأ من طريقة تمثيل الضحية ونسبة الفعل إلى فاعله، فإنها تمتد إلى مساءلة المسؤولين عنه، من دون أن تتحول هي نفسها إلى طرف في النزاع. فالصحافة الحساسة للنزاع لا تعني إفراغ الخبر من المساءلة؛ فعندما تثبت الأدلة مسؤولية جهة عن انتهاك أو جريمة، تصبح نسبة الفعل إليها جزءاً من الحق في المعرفة. أما حين تكون الأدلة ناقصة، فإن حدود المعرفة نفسها تصبح جزءاً من الخبر. والدقة، في هذا السياق، موقف مهني يحمي الصحافة من التحول إلى أداة دعائية، ويحمي المجتمع من بناء أحكام عامة على معلومات غير مكتملة.

 

وتفترض الصحافة الحساسة للنزاع قدرةً مهنية على التمييز بين الوقائع وتفسيراتها، وبين الخبر والرأي، وعلى إدراك الأثر الذي تتركه اللغة المستخدمة في تشكيل التصورات العامة وتوجيه المواقف. فخطابات التخوين والتشكيك والتحريض لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسهم أحياناً في إعادة إنتاجه وتغذية دوائر الاستقطاب والكراهية. ومن هذا المنطلق، تقوم الصحافة الحساسة للنزاع على تغطية مسؤولة تلتزم بالدقة والإنصاف والتحقق، وتسعى إلى نقل الحقيقة كما هي، دون أن تتحول إلى أداة لتأجيج الخصومات أو تعميق الانقسامات الاجتماعية.

 

ولا تعني هذه المقاربة إقامة توازنات مصطنعة بين جميع الأطراف، أو التردد في تسمية المسؤول عن الانتهاكات خشية اتهام الصحفي بالانحياز. فجوهرها يكمن في أن تستند الأحكام إلى الأدلة والوقائع القابلة للتحقق، وأن يُنسب الفعل إلى مرتكبه على نحو واضح ومحدد، وأن تبقى المسؤولية محصورة بمن قام بها أو أمر بها أو شارك فيها. وبهذا المعنى، فإن الصحافة الحساسة للنزاع تسعى إلى ممارستها ضمن إطار مهني يحفظ الحقيقة ويحدّ من توسيع دوائر العداء والكراهية.

 

كما أن الحرب تدفع اللغة بسهولة نحو التوصيفات العامة، وحين تستقر هذه اللغة في المجال العام يصبح الإنسان محكوماً بهويته المفترضة قبل النظر إلى أفعاله وموقفه الفردي، وقد يتحول الانتماء إلى سبب كافٍ للإدانة والعقاب المعنوي، بما يترك وراءه جرحاً اجتماعياً يتجاوز خطوط الجبهات.

 

كما تقتضي الحذر في نشر صور القتلى والجرحى، واحترام خصوصية الأسر، والتحقق من المواد المصورة قبل تداولها، وتجنب إعادة نشر المحتوى الذي يمكن أن يكشف مواقع أو هويات أو معلومات تعرض المدنيين أو الصحفيين أو مصادر المعلومات للخطر – كما أشرنا سابقاً. فحق الجمهور في معرفة ما يجري لا يلغي حق الضحايا في الكرامة والخصوصية، ولا يمنح الصحفي مبرراً لاستخدام الألم الإنساني مادة للإثارة. ويشمل ذلك منح المتضررين مساحة إنسانية تتجاوز انتماءاتهم السياسية أو الجغرافية، والاستماع إلى رواياتهم دون استغلال ضعفهم، واحترام خصوصيتهم، وعدم تحويل شهاداتهم إلى أدوات للتشهير أو الثأر.

 

ولا يعني احترام إنسانية الضحايا إخفاء الوقائع أو تليين الجرائم؛ فالصحافة مسؤولة عن تسمية الانتهاكات عندما تتوافر الأدلة، وعن منح الجمهور صورة دقيقة عما جرى. لكن الدقة لا تحتاج إلى التشهير، وكشف الجريمة لا يحتاج إلى إذلال الضحية.

 

وتتصل بذلك مسؤولية تقدير العواقب المحتملة للنشر قبل إتمامه؛ وهو ما نجدد التأكيد عليه مراراً لأهميته، فقد تكون المعلومة صحيحة في ذاتها، غير أن نشرها في توقيت معين أو مقرونة بتفصيل محدد قد يحولها إلى مصدر خطر. ولذلك ينبغي للصحفي أن يوازن بين حق الجمهور في المعرفة وضرورات السلامة، وأن يتجنب نشر ما يكشف هوية المدنيين أو الشهود أو المصادر أو مواقعهم وتحركاتهم عندما تكون سلامتهم مهددة.

 

ولا يعني ذلك حجب المعلومات ذات المصلحة العامة، وإنما يعني تقدير الطريقة والتوقيت والقدر الضروري للنشر. وفي هذا السياق لا يجوز أن تتحول الرغبة في السبق الصحفي أو الانتشار السريع إلى مبرر لإهمال العواقب، ولا أن تتحول معاناة الإنسان إلى مادة استعراضية تستثير الغضب أو الانتقام.

 

وتشمل المسؤولية كذلك حماية المصادر والشهود والعاملين في الميدان، لأن الصحفي لا يعمل بمعزل عن شبكة بشرية قد تدفع ثمن المعلومات التي ينشرها. كما ينبغي الاحتفاظ بالأصول والسياقات التي تسمح بمراجعة المواد لاحقاً، والتحقق من مصادر الصور والتسجيلات والوثائق الرقمية، والتمييز بين ما تم التحقق منه وما لا يزال في دائرة الادعاء.

 

فالتوثيق الصحفي الجاد لا يقتصر على إنتاج مادة قابلة للنشر، وإنما يحافظ على سلسلة المعلومات التي تسمح بفهم الواقعة ومراجعتها بعد سنوات. ومن هنا تبرز مسؤولية حفظ الأدلة والشهادات والوثائق بصورة مهنية، لأن التوثيق سيكون جزءاً من أي مسار مستقبلي للعدالة والمصالحة والمساءلة.

 

ويتطلب ذلك الفصل بين جمع الأدلة وبين توظيفها السياسي، وبين حفظ الشهادة وبين تحويلها إلى أداة للتشهير أو الانتقام. كما يقتضي الحفاظ على سياق المادة وتاريخها ومصدرها وأصلها، والتمييز بين الشهادة والدليل، وبين المعلومة الموثقة والرواية التي تحتاج إلى مزيد من التحقق. فالمجتمع الذي يفقد ذاكرته الموثقة يترك تاريخه للأقوى صوتاً، وقد يجد نفسه بعد سنوات أمام روايات متصارعة لا يستطيع التحقق من كثير من تفاصيلها.

 

وتواجه الصحافة في اليمن تحدياً إضافياً يتمثل في تعدد السرديات المتنافسة حول الحدث الواحد. فالأطراف المنخرطة في الصراع لا تتنازع على الأرض أو السلطة فحسب، بل تتنازع أيضاً على تفسير الوقائع ومعانيها وذاكرتها المستقبلية.

 

ولذلك تتمثل مهمة الصحفي في إخضاع الروايات المتداولة لمعايير التحقق والتدقيق والتمحيص، والتمييز بين ما يستند إلى وقائع قابلة للإثبات وما يندرج في إطار التأويل أو الدعاية أو المواقف السياسية. وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصة في السياق اليمني، لأن التوثيق المهني للوقائع يسهم في بناء ذاكرة عامة أكثر تماسكاً، ويوفر أساساً معرفياً يمكن الرجوع إليه عند دراسة الأحداث، أو مساءلة المسؤولين عنها، أو توثيق آثارها الإنسانية والسياسية.

 

وتؤكد مبادئ الصحافة الحساسة للنزاع أن وظيفة الإعلام في بيئة الصراع لا تنفصل عن الدقة واحترام حقوق الإنسان وسلامة المصادر، وأن التغطية المهنية يمكن أن تسهم في الحوار والتفاهم بدلاً من زيادة الاستقطاب.

 

كما تلخص أدبيات الصحافة الحساسة للنزاع هذه المبادئ في فكرة مركزية مفادها أن الصحفي ليس مسؤولاً عن إنهاء النزاع أو إخفاء حقائقه، وإنما عن نقلها بدقة وإنصاف. فالمسؤولية المهنية تقتضي تسمية الانتهاكات ومرتكبيها استناداً إلى الأدلة، وفي الوقت نفسه تجنب اللغة التي تحول الخصومة السياسية أو العسكرية إلى عداوة مجتمعية مستدامة.

 

وتكتسب هذه المسؤوليات في اليمن وزناً مضاعفاً في ظل بيئة إعلامية فرض فيها النزاع ضغوطاً واسعة على حرية الصحافة وسلامة العاملين فيها، بما في ذلك التهديد والاحتجاز والاختفاء والضغط الذي يدفع إلى الرقابة الذاتية. ولا يمكن لهذه المقاربة أن تؤتي أثرها في غياب بيئة تضمن حرية العمل الصحفي واستقلاله وسلامة العاملين فيه، بقدر ما تعتمد على التزام الصحفيين أنفسهم بمعايير الدقة والنزاهة والمسؤولية المهنية.

 

وعليه، تقع على أطراف النزاع مسؤولية احترام حرية الصحافة وحماية الصحفيين والعاملين في الإعلام، وعدم استخدام التهديد أو الاحتجاز أو التضييق أو الترهيب وسيلة للتأثير في المحتوى الإعلامي أو مصادر المعلومات. فحماية الصحفي ليست امتيازاً شخصياً للعامل في المهنة، وإنما جزء من حماية حق المجتمع في المعرفة.

 

غياب الصحافة المستقلة

غير أن هذه المعايير تصطدم في اليمن بسؤال أعمق يتصل باستقلال الصحفي والمؤسسة الإعلامية. ومن أخطر ما خلفته الحرب اليمنية انحسار المساحة المتاحة أمام الصحافة المستقلة القادرة على العمل خارج الاصطفافات الحادة. وأسهم إغلاق مواقع إخبارية ومصادرة مؤسسات إعلامية، وتعرض صحفيين للتهديد والاحتجاز، وتقييد الحركة والعمل، فضلاً عن الانهيار الاقتصادي الذي أصاب بيئة المهنة، إلى جانب الضغوط التي تعرض لها الصحفيون وتقييد المجال العام، في دفع جانب من الوسط الصحفي والثقافي إلى مواقع سياسية متعارضة، وأضعف المسافة المهنية التي يفترض أن تفصل العمل الصحفي عن أطراف الصراع ومراكز النفوذ.

 

ويعمل الصحفي داخل مجتمع مأزوم؛ يعيل أسرة، ويواجه مخاطر أمنية، ويحتاج إلى مصدر دخل، ويتحرك بين بيئات سياسية متنافسة. وفي بيئة اقتصادية شديدة القسوة، وجد بعض الصحفيين والمثقفين والنشطاء أنفسهم تحت ضغط الحاجة المعيشية، بالتزامن مع ضغوط الانتماء والاستقطاب السياسي. وتداخلت هذه الضغوط على نحو أضعف استقلالية العمل المهني، وضيّق هامش المسافة النقدية التي يستطيع العاملون في المجال العام الاحتفاظ بها تجاه مراكز القوة والنفوذ.

 

ولا تقف آثار هذه الضغوط عند حدود القرار المهني أو الموقف الذي يظهر في المادة المنشورة، وإنما تمتد إلى الحالة النفسية للعاملين في المجال الصحفي والثقافي. فالصحفي أو المثقف الذي يعمل تحت ضغط لقمة العيش، أو يخشى فقدان مصدر دخله، أو يواجه تهديداً أمنياً يطال حياته أو أسرته، قد يجد نفسه أمام مساحة ضيقة من الخيارات، يصبح فيها الصمت، أو تخفيف حدة النقد، أو تجنب بعض الملفات، أو الانحياز إلى أحد الأطراف، وسائل لحماية الذات وضمان الاستمرار في العمل. ومع استمرار هذه الضغوط وتراكمها، قد تترك آثاراً نفسية وصحية عميقة، وقد تدفع الفرد إلى إعادة ترتيب مواقفه بما يتلاءم مع البيئة التي يعمل فيها، فيجد نفسه أقرب إلى القوى التي توفر له الحماية أو مصدر الدخل أو شعوراً بالأمان والاستقرار، وقد ينتهي الأمر ببعضهم إلى الانتقال من موقع الصحفي الذي يتولى نقل الوقائع ومساءلة أطرافها إلى موقع المنخرط في الصراع والدفاع عن إحدى رواياته.

 

ومع تراكم هذه الحالة، لا تبقى الرقابة فعلاً مفروضاً من الخارج في كل مرة، وإنما قد تتحول تدريجياً إلى آلية داخلية تسبق عملية النشر نفسها. وهنا تتجاوز الضغوط أثرها المباشر في حرية التعبير لتطال عملية التفكير والاختيار التي تسبق الكتابة، فيضيق نطاق ما يمكن طرحه، وتتراجع الجرأة المهنية، وتنكمش مساحة النقد، ويضعف الشعور بجدوى الاستقلال. ومع مرور الوقت، قد يتحول التكيف مع القيود إلى سلوك مألوف يعيد إنتاج البيئة الضاغطة من داخل المجال الإعلامي والثقافي نفسه.

 

لهذا لا يمكن اختزال استقلال الصحافة في فضيلة شخصية لدى الصحفي؛ فالاستقلال يحتاج إلى بنية تحميه. راتب منتظم، ومؤسسة قابلة للحياة، وتمويل شفاف، وضمانات قانونية، وحماية مهنية، وأمن للصحفي والمصدر، ومساحة تحريرية واضحة، كلها شروط تدخل في تكوين القرار الصحفي. وحين يغيب معظمها، يصبح الاستقلال هشاً أمام المال السياسي والخوف والحاجة.

 

ومن هنا يرتبط اقتصاد الإعلام بالسياسة، حتى عندما يبدو منفصلاً عنها. فالمؤسسة التي تعجز عن دفع أجور صحفييها تصبح أكثر تعرضاً للنفوذ، والصحفي الذي لا يجد مورداً مستقراً قد يضطر إلى الارتهان لمن يملك التمويل والمنصة. ومع ارتباط المنابر الإعلامية بمراكز القوة، قد تمنح كثافة التكرار الرواية حضوراً يفوق قوتها الإثباتية، فتتحول وفرة الخطاب إلى بديل زائف عن وفرة الأدلة. وحين تضيق المساحة المستقلة، يزداد تأثير من يمتلك المال أو السلاح أو المنصة الإعلامية في تشكيل المجال العام، وتصبح القدرة على الانتشار عاملاً مؤثراً في حضور الرواية، بصرف النظر عن مقدار استنادها إلى الوقائع.

 

ولا يقتصر أثر ذلك على تضليل الجمهور أثناء الحرب، وإنما يمتد إلى تشكيل ذاكرة جماعية قد تحمل آثار الانقسام إلى السياسة والتعليم والعلاقات الاجتماعية لسنوات طويلة. فحين تتراجع المسافة المهنية، يصبح المواطن أكثر تعرضاً للالتباس بين الحقيقة والدعاية، وبين التوثيق والتعبئة، وبين النقد السياسي والتحريض، وبين كشف الجريمة وتوظيفها في صناعة الكراهية.

 

ومع ذلك، لا تعني الصحافة المستقلة الانفصال عن قضايا النزاع أو الوقوف على مسافة واحدة من جميع الوقائع والأطراف؛ إنما تعني الاحتكام في العمل المهني إلى الوقائع والأدلة وقواعد التحقق، مع تحميل المسؤولية لمن تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه. وبهذه المعايير تستطيع الصحافة تسمية الانتهاكات، وكشف التناقضات، ومساءلة أصحاب النفوذ، وإتاحة المجال للأصوات التي قد تغيب تحت ضغط السلاح والاستقطاب.

 

وحين تتراجع هذه المساحة، تمتد آثار الحرب إلى المجال الذي تُصاغ فيه صورة الحرب نفسها. ومن هنا تكتسب استعادة المجال الإعلامي والمعرفي أهمية تتجاوز إعادة تشغيل المؤسسات الصحفية أو توسيع المنصات الإعلامية؛ فالمطلوب هو استعادة قدرة المجتمع على مراجعة وقائع الحرب وتعدد رواياتها في ضوء الأدلة والتوثيق، وفحص ما ترسخ من سرديات تحت تأثير الخوف والاستقطاب والدعاية. فكلما ضاقت مساحة الأصوات المستقلة، تراجعت قدرة المجتمع على مراجعة ماضيه ونقد الروايات التي تشكل وعيه العام، وأصبحت ذاكرته أكثر عرضة للانتقاء والتشويه. ومن دون هذه القدرة على المراجعة، تظل آثار الحرب حاضرة في الوعي العام حتى بعد انحسارها من الميدان، لأن الصراع لا ينتهي بانتهاء القتال وحده، وإنما يستمر أيضاً في الطريقة التي تُروى بها الوقائع، وتُحفظ بها الذاكرة، وتُحدد بها المسؤوليات.

 

ولا يعني الحديث عن أهمية الصحافة المستقلة التقليل من شأن الصحافة الحزبية أو الإعلام المرتبط بالقوى السياسية وأطراف الصراع، فلكل منهما موقعه في المجال العام، ومن الطبيعي أن تعبر المنصات السياسية عن مواقف الجهات التي تنتمي إليها وأن تدافع عن رؤيتها ومصالحها. غير أن هذا النوع من الصحافة يؤدي، بحكم طبيعته ووظيفته، دوراً تعبويّاً وسياسياً يتصل بتوجيه الجمهور وحشد التأييد وتثبيت رواية الطرف الذي يمثله. وتكمن المشكلة حين تصبح هذه الوظيفة هي الصوت الغالب في المجال العام، ولا تجد إلى جانبها مساحة مهنية مستقلة قادرة على الفحص والمقارنة والتحقق وإعادة وضع الوقائع في سياقها الأوسع.

 

وهذا هو أحد أكثر الاختلالات التي أفرزتها الحرب اليمنية عمقاً وأطولها أثراً؛ إذ أدى انحسار الصحافة المستقلة والوسط المهني إلى ترك المجال واسعاً أمام وسائل إعلام تنطلق، بدرجات متفاوتة، من مواقع الاصطفاف السياسي ومصالح القوى المتصارعة. ومع غياب الصوت المهني الذي يستطيع أن يراجع الروايات جميعها وفق معيار واحد من التحقق والمسؤولية، أصبحت المنافسة بين السرديات في كثير من الأحيان أقوى من المنافسة على الحقيقة نفسها، وأصبح الجمهور يتلقى الحرب من خلال من يملك المنصة والقدرة على الوصول والتأثير.

 

لذلك يكتسب دعم الصحافة المستقلة أهمية خاصة، بوصفه أحد المسارات القليلة القادرة على استعادة المسافة المهنية بين الخبر والخصومة السياسية، وبين حق المجتمع في المعرفة وحسابات الأطراف المتصارعة. فوجود صحفيين لا يخضع عملهم بصورة مباشرة لمراكز النفوذ، ولا تتحول مهنتهم إلى امتداد للمواقف السياسية، يمنح المجتمع فرصة لرؤية الوقائع خارج القوالب التي تفرضها الحرب، ويفتح المجال أمام روايات متعددة لا تختزل اليمن في معسكرات متقابلة.

 

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى استعادة تيار مهني مستقل تراجع حضوره خلال سنوات الحرب. والاستقلال هنا موقف مهني وأخلاقي يصون حرية الصحفي، ويتيح له نقل الوقائع وتوثيقها بالاحتكام إلى الأدلة، والانحياز إلى حقوق الإنسان والمصلحة العامة، من دون أن يتحول هذا الانحياز إلى اصطفاف مع أي طرف من أطراف الصراع. ويمكن لهذا التيار أن يؤدي وظيفة تتجاوز نقل الأخبار إلى حماية المجال العام من الارتهان للدعاية، والإبقاء على إمكان الحوار قائماً، وصياغة لغة عامة تتسع للاختلاف وتحول دون انزلاقه إلى خصومة تمس وجود المجتمع نفسه.

 

الإعلام والذاكرة واستعادة المجال العام

مع صعود المنصات الشخصية، نشأ شكل جديد من العلاقة بين الصحفي والجمهور. فقد أصبح في مقدور الصحفي أن يمتلك جمهوراً واسعاً من دون مؤسسة، كما باتت القوى السياسية قادرة على بناء شبكات توزيع خاصة بها. وفي ظل هذا التحول، تزداد الحاجة إلى فصل واضح بين الخبر والتعليق، وبين العمل الصحفي والموقف السياسي، وبين الحساب المهني والمساحة الشخصية؛ فالجمهور يحتاج إلى معرفة طبيعة المادة التي يقرأها حتى يستطيع تقدير وزنها المعرفي وموقعها من العمل الصحفي.

 

وفي المقابل، لم يعد الجمهور مستقبلاً سلبياً للمحتوى؛ فقد أصبح منتجاً له، وناقلاً، ومشاركاً في صياغة انتشاره. ومن هنا تصبح الثقافة الإعلامية جزءاً من مناعة المجتمع. فمعرفة مصدر الخبر، وتاريخ الصورة، والتمييز بين الخبر والرأي، والانتباه إلى المواد المعاد تدويرها والمقتطعة من سياقها، وفهم طبيعة العناوين المحرضة، كلها مهارات باتت ضرورية لحماية المجال العام من التضليل، ولتقليص المسافة بين سرعة التداول ودقة المعرفة.

 

ومع انحسار الحرب، ستبقى آلاف الصور والتسجيلات والمنشورات والشهادات شاهدة على زمنها. وسيكون الأرشيف الإعلامي أحد أهم مستودعات الذاكرة اليمنية، غير أنه قد يتحول، إذا جرى التعامل معه خارج سياقه التاريخي والقانوني، إلى مستودع للضغائن. فالمجتمع الذي يريد بناء سلام مستقر يحتاج إلى ذاكرة تحفظ الضحايا من النسيان، من دون أن تجعل من الألم أساساً للثأر، وإلى أرشيف يسمح بمراجعة الوقائع وتمييز المسؤولية الفردية والمؤسسية عن المسؤولية الجماعية.

 

ومن هنا ترتبط مهمة المصالحة الوطنية، بدرجة كبيرة، بالطريقة التي سيجري بها التعامل مع الروايات المتنافسة. فمحو الألم يفضي إلى إنكار، وتحويله إلى مادة دائمة للانتقام يعيد إنتاج الحرب في الذاكرة. أما بناء مسار قادر على استيعاب الماضي، فيحتاج إلى معرفة موثقة، وشهادات محفوظة، ومسؤوليات محددة، ومؤسسات قادرة على مراجعة الوقائع ضمن القانون، بحيث تصبح الذاكرة مجالاً للفهم والمساءلة، لا امتداداً آخر للخصومة.

 

وفي هذا السياق تكتسب الصحافة المحلية أهمية خاصة. فالأخبار الكبرى ترسم صورة الحرب، بينما تكشف الصحافة المحلية أثرها في تفاصيل الحياة اليومية: المدرسة التي توقفت، والسوق الذي تغير، والأسرة التي نزحت، والمؤسسة التي انهارت، والعلاقة الاجتماعية التي تصدعت. ومن هذه التفاصيل يتشكل التاريخ الاجتماعي لليمن؛ وهي التي تمنع اختزال البلاد في خرائط عسكرية وبيانات سياسية، وتعيد الحرب إلى حجمها الإنساني الذي كثيراً ما تغطيه لغة الصراع الكبرى.

 

ومن ثم فإن إعادة بناء الإعلام اليمني تتطلب استعادة المجال العام نفسه. فالمؤسسات الإعلامية المستقلة، والتمويل الشفاف والمستدام، وحماية الصحفيين، وتطوير أدوات التحقق الرقمي، وحماية المصادر والأرشيف، ودعم التحقيقات المحلية، وبناء قدرات مهنية قابلة للاستمرار، كلها عناصر في بنية واحدة. أما الدعم الذي ينتهي بانتهاء المشروع، فيترك أثراً محدوداً؛ بينما يخلق بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار استقلالاً يمكن أن يبقى بعد تغير الممول والسلطة والظرف السياسي.

 

وستظل الرواية للحرب ووقائعه موضع تنازع حتى بعد انحسار المعارك العسكرية. وستبقى الصور حاضرة، وستواصل الكلمات تشكيل الذاكرة وتوزيع المسؤولية، وستجد الأجيال اللاحقة أمامها أرشيفاً هائلاً صنعته سنوات الحرب. وتتوقف القيمة التاريخية لهذا الأرشيف على قدرة المجتمع على حمايته من التوظيف الانتقامي، وقدرة الصحافة على التعامل معه بوصفه مادة للتحقيق والمعرفة، وقدرة الدولة المقبلة على توفير الإطار القانوني الذي يجعل الحقيقة قابلة للفحص والمراجعة.

 

وفي جوهر هذه المسألة تقف استقلالية الإعلام باعتبارها جزءاً من قدرة المجتمع على إنتاج معرفة عامة لا تخضع بالكامل للخوف أو المال أو الاصطفاف. فالمواطن يحتاج إلى أن يعرف ماذا تفعل المؤسسات، والصحفي يحتاج إلى مساحة تمكنه من مساءلتها، والمجتمع يحتاج إلى منابر تستطيع اختبار الروايات المتنافسة بالأدلة. وحين تضيق هذه المساحة، تتراجع قدرة المجتمع على فهم نفسه، ويصبح المجال العام أكثر تعرضاً للرواية الأقدر على التمويل والتكرار والانتشار، لا بالضرورة للرواية الأشد اتصالاً بالوقائع.

 

وقد تتوقف البنادق في لحظة سياسية، بينما تواصل الحرب حضورها في اللغة والصورة والذاكرة. ولهذا فإن السلام المستدام يحتاج إلى ما يتجاوز ترتيبات وقف القتال؛ يحتاج إلى بيئة معلوماتية تسمح للمجتمع بمعرفة ما جرى، ومساءلة من ثبتت مسؤوليته، وحفظ كرامة من دفعوا الثمن، وفهم الأسباب التي قادت إلى الانهيار. فالمجتمع الذي يعجز عن قراءة ماضيه بقدر من الدقة يظل معرضاً لاستعادة الصراع في صور أخرى، حتى بعد أن تخفت أصوات السلاح.

 

ومن هنا، لا تبدو الصحافة المستقلة امتيازاً مهنياً للصحفيين يمكن إرجاؤه إلى ما بعد التسوية؛ فهي إحدى البنى التي يتوقف عليها استرداد المجال العام، واستعادة قدرة اليمنيين على النظر إلى تاريخهم خارج مرايا الدعاية والخوف والانقسام. وحين تصبح الحقيقة قابلة للفحص، والضحية إنساناً قبل أن تكون عنواناً سياسياً، والمسؤولية محددة في نطاقها، والصورة محفوظة في سياقها، يستعيد الخبر معناه الأول بوصفه معرفةً تحمي الذاكرة من التزييف، وتصون كرامة الإنسان، وتحول دون أن تتحول الحقيقة نفسها إلى مادة جديدة في صراع الروايات.

 

*نقلاً عن الوحدوي نت

By admin