بقلم / محمد الصالحي
تُعد القضية الجنوبية واحدة من أكثر القضايا اليمنية تعقيداً والتباساً، ليس فقط بسبب تعدد القوى والمكونات التي تتحدث باسمها، وتباين مشاريعها السياسية، وإنما قبل ذلك بسبب الخلاف حول تعريف القضية نفسها، وتحديد جذورها، والمرحلة التي بدأت فيها، والحدود التي ينبغي أن تُفهم من خلالها.
فهناك من يحصرها في ما ترتب على إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، وبصورة أكثر تحديداً في نتائج حرب صيف 1994، وما أعقبها من إقصاء وتهميش وتسريح ومصادرة أراضٍ واختلالات سياسية واقتصادية واجتماعية. وهناك من يختزلها في مطلب فك الارتباط واستعادة دولة الجنوب، بينما ينظر إليها آخرون بوصفها قضية حقوق ومظالم سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة.
تراكمات تاريخية
لكن أياً من هذه المقاربات، إذا أُخذ منفرداً، لا يكفي لتفسير القضية الجنوبية بصورتها الراهنة. فالقضية لم تولد في 1994، كما أنها ليست مجرد امتداد آلي لما قبل الوحدة، وإنما هي نتاج تراكمات تاريخية طويلة تفاعلت فيها عوامل سياسية واقتصادية وعسكرية واجتماعية، وتداخلت معها بصورة مستمرة عوامل إقليمية ودولية، فأعادت تلك التراكمات تشكيل الدولة والمجتمع وموازين القوة والموارد والهوية السياسية في الجنوب واليمن عموماً..ولهذا فإن فهم القضية الجنوبية لا ينبغي أن يبدأ من السؤال: متى بدأت؟ وإنما من سؤال أكثر عمقاً: كيف تشكلت المشكلات التي أصبحت اليوم تُعرف بالقضية الجنوبية؟ وكيف أسهمت التدخلات الخارجية والصراعات الداخلية في إنتاجها وإعادة إنتاجها عبر مراحل مختلفة؟ ثم كيف يمكن الانتقال من تشخيص هذه المشكلات إلى صناعة حل حقيقي ومستدام؟
ولذلك فإن العودة إلى جذور القضية تقودنا إلى مرحلة الاحتلال البريطاني لعدن عام 1839، الذي لم يكن مجرد احتلال لمدينة وميناء، وإنما كان جزءاً من مشروع استعماري أوسع لإحكام السيطرة على موقع جغرافي بالغ الأهمية، وإعادة تنظيم المجال السياسي والجغرافي في جنوب اليمن بما يخدم المصالح البريطانية. فقد أقامت بريطانيا منظومة من السلطنات والمشيخات والإمارات والمحميات، وربطتها بدرجات متفاوتة بالمشروع الاستعماري، وأسهمت بذلك في تكريس واقع سياسي مجزأ، وإضعاف الروابط السياسية المركزية، وإنتاج أنماط من الولاءات المحلية والمناطقية.
نتيجة للتطور التاريخي
كما دخلت بريطانيا في صراعات ومواجهات مع القوى اليمنية المناهضة لوجودها، واستخدمت الكيانات المحلية المتحالفة معها في مواجهة القوى التي كانت تسعى إلى توحيد اليمن ومقاومة النفوذ الأجنبي. وبذلك لم يكن الانقسام الجغرافي والسياسي مجرد نتيجة طبيعية للتطور التاريخي، وإنما كان في جانب مهم منه مرتبطاً بسياسات استعمارية هدفت إلى إدارة الجنوب وفق معادلة التجزئة والتحالفات المحلية.
ومع ثورة 14 أكتوبر 1963 وصولاً إلى الاستقلال في 30 نوفمبر 1967، انتهى الاحتلال البريطاني المباشر، لكن انتهاء الوجود العسكري البريطاني لم يعنِ انتهاء كل آثار المرحلة الاستعمارية. فقد انتقل الجنوب إلى مرحلة جديدة اتسمت بإعادة بناء الدولة وفق نموذج سياسي واقتصادي مختلف، لكنه دخل في صراعات داخلية عميقة أعادت إنتاج بعض الانقسامات بصورة جديدة.
فقد شهدت مرحلة الحكم الاشتراكي عمليات تأميم واسعة وإعادة توزيع للملكية، خصوصاً في الأراضي والممتلكات، وهو ما أحدث تحولات جذرية في البنية الاقتصادية والاجتماعية. كما رافقت الصراعات السياسية عمليات إقصاء وتصفيات وتهجير، الأمر الذي أحدث شروخاً عميقة داخل المجتمع الجنوبي، وأنتج مظالم وذاكرة اجتماعية لم تختفِ بانتهاء تلك المرحلة.
ثم جاءت أحداث يناير 1986 لتكشف حجم الصراع داخل الدولة والمجتمع، حيث تحولت المنافسة السياسية والعسكرية إلى مواجهة دامية أخذت في بعض جوانبها طابعاً مناطقياً، وأدت إلى تدمير جانب كبير من القوة العسكرية للدولة الجنوبية، وفرار أعداد كبيرة من العسكريين إلى الشمال، وهو ما ترك آثاراً سياسية واجتماعية استمرت إلى ما بعد الوحدة.
الاستقطاب الدولي
وفي الوقت ذاته، كان الجنوب قد أصبح جزءاً من الاستقطاب الدولي خلال الحرب الباردة، بسبب ارتباطه الوثيق بالاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي، في حين كان الشمال يرتبط بدرجات مختلفة بالمعسكر الغربي وحلفائه الإقليميين. وهكذا تحولت اليمن إلى ساحة من ساحات التنافس الدولي والإقليمي، وأصبح الانقسام بين شطريها مرتبطاً، بدرجات متفاوتة، بصراع أكبر يتجاوز حدود اليمن.
ومع تراجع الاتحاد السوفيتي ثم انهياره، فقد الجنوب أحد أهم مصادر دعمه السياسي والاقتصادي، في وقت كان فيه يعاني أصلاً من ضعف اقتصادي وصراعات داخلية. وأصبحت الدولة الجنوبية أمام خيارات صعبة، كان من بينها إعادة تحقيق الوحدة مع الشمال.
وهكذا جاءت وحدة 22 مايو 1990 في سياق دولي وإقليمي وداخلي بالغ التعقيد. وقد مثّلت الوحدة إنجازاً تاريخياً مهماً لليمنيين، لكنها قامت في الوقت نفسه بين دولتين كان لكل منهما جيش وأجهزة أمن ومؤسسات ومراكز قوة وإرث سياسي مختلف. ولم ينجح الطرفان خلال الفترة الانتقالية في بناء مؤسسات موحدة بصورة كاملة، كما بقيت قضايا جوهرية تتعلق بتوزيع السلطة والثروة ودمج القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة دون حسم نهائي.
ومع انتخابات 1993 تصاعدت المخاوف السياسية بين شركاء الوحدة، وازدادت حالة عدم الثقة، وصولاً إلى حرب صيف 1994. وهنا تظهر إحدى أكثر المسائل إثارة للجدل في توصيف القضية الجنوبية: هل كانت الحرب حرباً بين الشمال والجنوب، أم حرباً بين قوى سياسية يمنية شارك فيها الشماليون والجنوبيون على جانبي الصراع؟
إن وجود قيادات وقوات جنوبية شاركت إلى جانب نظام صالح، في مقابل وجود قوى شمالية شاركت إلى جانب القيادة الجنوبية، يجعل توصيف الحرب باعتبارها حرباً جغرافية خالصة بين شمال وجنوب بحاجة إلى قدر من التدقيق. غير أن هذا لا يلغي حقيقة النتائج التي ترتبت عليها في الجنوب، ولا سيما ما تعرض له عدد كبير من العسكريين والموظفين الجنوبيين من تسريح وإقصاء وتهميش، إضافة إلى قضايا الأراضي والممتلكات وغيرها من الملفات التي أسهمت في إنتاج مظالم حقيقية تراكمت مع مرور الوقت.
خلاف سياسي
ومن هنا بدأت القضية الجنوبية تنتقل من خلاف سياسي بين شركاء في دولة الوحدة إلى قضية ذات أبعاد حقوقية وسياسية واجتماعية أوسع. ومع ظهور حركة المتقاعدين العسكريين والاحتجاجات الجنوبية عام 2007، انتقلت هذه المظالم إلى مستوى الفعل الجماعي المنظم، ثم ارتفع سقف المطالب تدريجياً حتى وصل لدى قطاعات من الحراك الجنوبي إلى المطالبة بفك الارتباط والعودة إلى ما قبل 22 مايو 1990.
لكن الحراك الجنوبي نفسه دخل في إشكالية تعدد المكونات والقيادات والمشاريع، ولم يتمكن من إنتاج مرجعية جنوبية واحدة تحظى بإجماع مختلف المحافظات والمكونات. وأصبح سؤال «من يمثل الجنوب؟» جزءاً من القضية، كما أصبح الخلاف حول طبيعة الحل امتداداً للخلاف حول تعريف القضية نفسها.
ثم جاءت أحداث ثورة 11 فبراير 2011م ومؤتمر الحوار الوطني لتضيف طبقة جديدة إلى المشهد. فقد تعددت الرؤى المطروحة لحل القضية الجنوبية بين مشاريع مختلفة تتراوح بين الإبقاء على الوحدة بصيغ مختلفة، والفيدرالية، والإقليمين، وصولاً إلى فك الارتباط. كما أثارت مشاريع تقسيم اليمن إلى أقاليم جدلاً واسعاً حول مستقبل الدولة، ومدى ملاءمة تلك الصيغ لطبيعة المجتمع اليمني ومصالحه، وما إذا كانت بعض التصورات قد تأثرت بضغوط أو مصالح خارجية.
غير أن التحول الأخطر جاء بعد عام 2015، عندما دخل اليمن مرحلة الحرب والعدوان والتدخل العسكري الخارجي. فمنذ ذلك التاريخ لم تعد القضية الجنوبية تتحرك داخل إطار التفاعلات اليمنية الداخلية وحدها، وإنما أصبحت جزءاً من صراع إقليمي ودولي أوسع.
التدخل العسكري السعودي
فقد أدى التدخل العسكري بقيادة السعودية والإمارات إلى إعادة تشكيل موازين القوة في المحافظات الجنوبية، وإنشاء ودعم تشكيلات عسكرية وأمنية وسياسية متعددة، بعضها خارج إطار مؤسسات الدولة. وبدلاً من بناء مؤسسة أمنية وعسكرية جنوبية موحدة، نشأت مراكز قوة متعددة، لكل منها قيادة ومصالح وشبكة علاقات داخلية وخارجية.
كما أسهم الدعم الخارجي لمكونات سياسية وعسكرية بعينها في إعادة تشكيل الخريطة السياسية للجنوب، وفي تعميق الانقسام بين القوى والمناطق والمشاريع المختلفة. وأصبح بعض الصراع الجنوبي ـ الجنوبي مرتبطاً بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالتنافس بين القوى الإقليمية التي تمتلك مصالح مختلفة في اليمن.
وهنا لم يعد العامل الخارجي مجرد عامل مساعد في الصراع، بل أصبح أحد العوامل الرئيسية في تشكيل الواقع الجنوبي. فالموقع الجغرافي للجنوب، وامتداده على بحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر، وإشرافه على مضيق باب المندب، وامتلاكه موانئ وجزراً وثروات نفطية وغازية، يجعل منه منطقة ذات أهمية استراتيجية للقوى الإقليمية والدولية.
ومن ثم فإن الصراع على الجنوب لم يعد متعلقاً فقط بسؤال الوحدة والانفصال، وإنما أصبح متصلاً أيضاً بسؤال من يسيطر على الأرض والموانئ والمنافذ والسواحل والجزر والثروات، ومن يمتلك القرار الأمني والعسكري، ومن يملك القدرة على التأثير في مستقبل اليمن.
وقد أفرزت سنوات الحرب والعدوان واقعاً شديد التعقيد في المحافظات الجنوبية؛ فتراجعت مؤسسات الدولة، وتعددت مراكز القوة، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والخدمات العامة، وتنامت التشكيلات المسلحة، وأصبحت بعض المناطق ساحات لتنافس القوى المحلية والإقليمية.
كما لم يكن الصراع محصوراً في العلاقة بين الشمال والجنوب، وإنما ظهرت صراعات جنوبية ـ جنوبية ذات طابع سياسي ومناطقي وأمني، ارتبط بعضها بتنافس القوى الإقليمية. وبذلك أضيفت إلى التراكمات التاريخية للقضية الجنوبية مشكلة جديدة تتمثل في تعدد مراكز النفوذ والقوة، وتراجع استقلال القرار الوطني، وتحول بعض المحافظات إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية.
التوصيف الصحيح للقضية
ومن هنا يمكن الانتقال من التاريخ إلى توصيف القضية الجنوبية في صورتها الراهنة. فالقضية اليوم ليست مجرد عنوان سياسي واحد، وإنما هي مجموعة من المشكلات المترابطة التي تراكمت عبر مراحل مختلفة، ثم أعادت الحرب والتدخلات الخارجية إنتاج بعضها وأضافت إليها مشكلات جديدة.
وتأتي في مقدمة هذه المشكلات المشكلة السياسية، والمتمثلة في عدم الاتفاق على طبيعة الدولة اليمنية وشكل العلاقة بين الجنوب وبقية اليمن، بين من يتمسك بالوحدة، ومن يطرح الفيدرالية، ومن يطالب بدولة اتحادية من إقليمين، ومن يطالب بفك الارتباط واستعادة دولة الجنوب.
وتبرز إلى جانبها مشكلة التمثيل السياسي، نتيجة تعدد المكونات الجنوبية وتباين مشاريعها وقياداتها ومصادر قوتها وعلاقاتها الخارجية، الأمر الذي يجعل سؤال «من يمثل الجنوب؟» واحداً من الأسئلة المركزية التي يجب حسمها قبل الوصول إلى أي تسوية نهائية.
كما توجد مشكلة حقوقية وقانونية تتعلق بالإقصاء والتسريح والأراضي والممتلكات والتعويضات والوظائف وغيرها من الملفات التي تراكمت خلال مراحل مختلفة، وهي ملفات تحتاج إلى معالجة قانونية ومؤسسية ومصالحة حقيقية.
وهناك أيضاً مشكلة اجتماعية ومناطقية تتمثل في استمرار آثار الصراعات الجنوبية السابقة، والثارات الناتجة عنها، والتنافس بين المناطق والنخب، وضعف الثقة المتبادلة بين بعض المكونات، وهي مشكلة لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن مستقبل الجنوب.
أما المشكلة الاقتصادية فتتمثل في تدهور الأوضاع المعيشية والخدمات، واختلال إدارة الموارد، وتفاوت التنمية، والصراع على النفط والغاز والموانئ والمنافذ، وتحول الموارد في بعض الحالات من أداة للتنمية إلى مصدر للصراع والنفوذ.
وتأتي المشكلة الأمنية والعسكرية باعتبارها إحدى أخطر مشكلات المرحلة الراهنة، بسبب تعدد القوات والتشكيلات المسلحة ومراكز القرار، وارتباط بعضها بمشاريع سياسية مختلفة، الأمر الذي جعل بناء مؤسسة أمنية وعسكرية موحدة مسألة شديدة التعقيد.
المشكلة الأكثر جوهرية
لكن فوق كل هذه المشكلات تبرز مشكلة أكثر جوهرية، هي مشكلة السيادة. فوجود قوات ونفوذ خارجيين، وتعدد الأطراف الإقليمية المتنافسة، وتحول أجزاء من الجنوب إلى ساحات لتصفية الحسابات، يعني أن القضية الجنوبية لم تعد قضية داخلية خالصة، وأن الحديث عن مستقبل الجنوب في ظل واقع مفروض بالسلاح والنفوذ الخارجي يظل ناقصاً.
ومن هنا تبرز الفكرة المركزية التي ينبغي أن ينطلق منها أي نقاش جاد حول الحل: تحرير الأرض أولاً، ثم صناعة الحل.
فالتحرير هنا لا يعني إنهاء مشكلة القضية الجنوبية، ولا يعني أن استعادة السيادة ستقدم تلقائياً إجابة عن جميع الأسئلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإنما يعني إزالة العامل الذي أصبح يحول دون إنتاج حل وطني مستقل. إذ لا يمكن بناء تسوية مستقرة في ظل وجود قوى خارجية تملك نفوذاً عسكرياً وسياسياً مباشراً، ولا يمكن الحديث عن إرادة جنوبية حرة في ظل تعدد مراكز القوة المرتبطة بالخارج.
متطلبات صناعة الحل
إن استعادة السيادة على المحافظات الجنوبية وإخراج القوات الأجنبية وإنهاء التدخل العسكري الخارجي تمثل، وفق هذا التصور، المدخل الأول لإعادة القضية إلى إطارها اليمني، وفتح المجال أمام الجنوبيين أنفسهم للحوار حول مستقبلهم بعيداً عن الإملاءات الخارجية، وبعيداً عن توظيف القضية في الصراعات الإقليمية..وبعد تحرير الأرض واستعادة السيادة يمكن الانتقال إلى المرحلة الأهم: صناعة الحل.
وصناعة الحل تعني فتح مسار حقيقي للحوار الجنوبي ـ الجنوبي، بحيث تشارك فيه مختلف المحافظات والمكونات والتيارات دون إقصاء أو احتكار للتمثيل. كما تعني معالجة المظالم والحقوق المتراكمة، وإيجاد آليات للعدالة والمصالحة، ومعالجة آثار الصراعات السابقة، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية على أسس وطنية، ووضع ترتيبات عادلة لإدارة الثروة والموارد، وإعادة بناء مؤسسات الدولة بما يضمن المشاركة والعدالة والتنمية.
كما أن صناعة الحل تتطلب الفصل بين الملفات التي جرى دمجها تحت عنوان واحد هو «القضية الجنوبية». فالمشكلة السياسية تحتاج إلى تسوية سياسية، والمشكلة الحقوقية تحتاج إلى معالجة قانونية، والانقسام الاجتماعي يحتاج إلى مصالحة، والمشكلة الاقتصادية تحتاج إلى عدالة في التنمية وإدارة الموارد، والمشكلة الأمنية تحتاج إلى بناء مؤسسات وطنية موحدة، أما مشكلة السيادة فتحتاج إلى إنهاء الوجود والنفوذ الخارجي.
وهنا يصبح من الخطأ الاعتقاد أن هناك حلاً واحداً جاهزاً يمكن فرضه على جميع هذه المشكلات. فالحل الحقيقي ينبغي أن يكون نتيجة لتشخيص دقيق لكل مشكلة، وفهم أسبابها، وتحديد الأطراف المعنية بها، ثم وضع المعالجة المناسبة لها ضمن رؤية وطنية شاملة.
إن أكبر ما يهدد القضية الجنوبية ليس فقط استمرار مظالم الماضي، وإنما استمرار إنتاج مظالم جديدة تحت عناوين جديدة. فاستبدال نفوذ داخلي بنفوذ خارجي، أو استبدال صراع شمالي ـ جنوبي بصراعات جنوبية ـ جنوبية، أو تحويل الثروة والموانئ والجزر إلى أدوات للصراع الإقليمي، لن يؤدي إلى حل القضية، وإنما إلى إعادة إنتاجها بصورة أكثر تعقيداً.
ومن هنا فإن تحرير الأرض واستعادة السيادة لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما شعاراً سياسياً فقط، وإنما باعتبارهما شرطاً موضوعياً لتهيئة البيئة التي يمكن فيها صناعة حل مستدام. فحين تستعيد الدولة سيادتها، وتتراجع مراكز القوة المرتبطة بالخارج، يصبح الحوار أكثر حرية، وتصبح الخيارات السياسية أكثر ارتباطاً بإرادة المجتمع، وتصبح معالجة الحقوق والمظالم أكثر قابلية للتنفيذ.
إن القضية الجنوبية، في جوهرها الراهن، هي حصيلة تراكمات تاريخية لم تبدأ في عام 1994، كما أنها لم تتوقف عندها. فقد أسهم الاحتلال البريطاني في إنتاج التجزئة السياسية والمناطقية، وأسهمت مرحلة الحكم الاشتراكي في إنتاج صراعات ومظالم اجتماعية واقتصادية وسياسية، وأنتجت مرحلة الوحدة وحرب 1994 مظالم جديدة، ثم جاء الحراك الجنوبي ليحوّل تلك المظالم إلى قضية سياسية جماعية، قبل أن تأتي الحرب والتدخلات الخارجية منذ 2015 لتضيف إليها أبعاداً جديدة تتعلق بالسيادة.
ولذلك فإن اختزال القضية الجنوبية في محطة واحدة لا يؤدي إلى حلها، كما أن اختزالها في مشروع سياسي واحد قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بدلاً من إنهائه. والنفوذ والثروة وتعدد مراكز القوة.
المطلوب هو الاعتراف بتعدد مستويات القضية، ثم معالجة كل مستوى من مستوياته ضمن مشروع وطني شامل.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل يكون مستقبل الجنوب في إطار الوحدة أم في إطار الانفصال؟ وإنما يسبق ذلك سؤال أكثر إلحاحاً: من يملك حق تقرير هذا المستقبل، وتحت أي ظروف، وبأي إرادة؟
فإذا كان القرار يصنع تحت تأثير السلاح والنفوذ الخارجي، فإن أي نتيجة ستظل عرضة للتشكيك وإعادة الصراع. أما إذا استعيدت الأرض والسيادة، وأصبح القرار يمنياً جنوبياً حراً، فإن الجنوبيين يستطيعون أن يناقشوا مستقبلهم بأنفسهم، وأن يختاروا الصيغة السياسية التي تحقق مصالحهم وتحفظ حقوقهم وتصون كرامتهم.
ولهذا فإن تحرير الأرض أولاً ثم صناعة الحل ليست دعوة لتأجيل حل القضية الجنوبية، بل هي محاولة لإعادة ترتيب طريق الحل نفسه: إنهاء العامل الخارجي الذي يعقد القضية، استعادة السيادة، ثم فتح حوار جنوبي ـ جنوبي ويمني ـ يمني واسع، يعالج المظالم والتراكمات، ويعيد بناء الثقة والمؤسسات، ويضع أساساً لتسوية سياسية عادلة ومستدامة.
فالقضية الجنوبية لن تُحل بتغيير الشعارات، ولا بتبديل مراكز النفوذ، ولا بإعادة توزيع مناطق السيطرة بين القوى المحلية والإقليمية، وإنما بحل جذور المشكلات التي أنتجتها، وبإعادة القرار إلى أصحاب الأرض، وبناء مستقبل يحدده اليمنيون بأنفسهم وتحرير الأرض من المحتلين الجدد لن يكون نهاية القضية الجنوبية؛ بل هو بداية الطريق إلى صناعة حلها.
نقلا عن صحيفة ٢٦ سبتمبر العدد 2472 الاثنين ١٨ ربيع الأول ١٤٤٨ / 31 آب/أغسطس 2026.

