بيروت | أحمد موسى
بينما فتحت الدول العربية والخليجية أبوابها مجددًا أمام المنتجات اللبنانية، وأُعلن عن إعادة تشغيل المعابر البرية مع سوريا، كان يُفترض أن تستعيد شاحنات الترانزيت دورها الطبيعي في نقل الصادرات وإنعاش الاقتصاد الوطني. إلا أن الواقع يكشف صورة مغايرة؛ فمئات الشاحنات لا تزال مركونة، وقرارات إدارية عالقة، وبنية حدودية غير مكتملة، وشروط تنظيمية متشددة، وفوضى في ملف السائقين والعمالة، جميعها تحاصر أحد أهم القطاعات الإنتاجية في لبنان. فهل تكمن الأزمة في الخارج، أم أن الدولة اللبنانية نفسها باتت العائق الأكبر أمام عودة شريان التصدير إلى الحياة؟.
في هذا التحقيق، نكشف بالأرقام والشهادات والوقائع كيف تحولت فرصة الانفتاح الخليجي إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إنقاذ قطاع النقل البري، ولماذا يواجه المزارعون والمصدرون وأصحاب الشاحنات خطر خسارة فرصة اقتصادية قد تعيد ملايين الدولارات إلى الدورة الاقتصادية، إذا استمر التأخير في اتخاذ القرارات الحاسمة.
الترانزيت… شريان الاقتصاد الذي كاد يتوقف
لا يُعد معبر المصنع مجرد نقطة حدودية بين لبنان وسوريا، بل هو الرئة الاقتصادية التي تتنفس منها القطاعات الزراعية والصناعية والتجارية اللبنانية.
ومن خلال هذا المعبر تعبر المنتجات اللبنانية إلى الأردن والعراق والسعودية ودول الخليج، ما يجعل أي تعطيل فيه ينعكس مباشرة على المزارعين والمصدرين والنقل البري وسلاسل الإمداد.
إعلان إعادة فتح المعابر، إلى جانب القرار السعودي بإعادة استقبال المنتجات اللبنانية، أعاد الحياة إلى مكاتب التخليص الجمركي وورش صيانة الشاحنات ومحطات الوقود والميكانيك، في مشهد يوحي بعودة دورة اقتصادية طال انتظارها.
لكن هذه العودة لا تزال تصطدم بملفات مؤجلة داخل الدولة اللبنانية.
أرقام تكشف حجم الأزمة
وفق معطيات رئيس نقابة الشاحنات المبردة في لبنان أحمد ديب حسين، فإن القطاع يضم:
■ نحو 2000 شاحنة ومقطورة مبردة.
■ بينها حوالي 500 مقطورة مبردة.
■ 1300 شاحنة تشكل الأسطول العامل الرئيسي.
■ 110 شاحنات متوقفة بسبب تأخر تسجيل النقل الخارجي.
■ 550 شاحنة متوقفة بسبب شروط العمر الفني.
■ 640 شاحنة أخرى متوقفة نتيجة نقص السائقين وإشكاليات الإقامات.
وهذا يعني عملياً أن نسبة كبيرة من الأسطول اللبناني لا تزال خارج الخدمة، رغم عودة الأسواق الخليجية لاستقبال المنتجات اللبنانية.
المشكلة الأولى… “طراز” الشاحنة لا حالتها الفنية
أخطر ما يواجه القطاع اليوم هو اعتماد معيار عمر الشاحنة بدلاً من كفاءتها التقنية.
فمعظم البرادات اللبنانية تعود إلى موديلات 2002 و2003 و2004، وهي شاحنات بقيت متوقفة منذ عام 2020 بسبب إقفال الأسواق.
ويرى أصحابها أن مواصفاتها الفنية لا تختلف عن موديلات أحدث، إلا أن شرط العمر يمنع دخولها إلى الأسواق الخليجية.
لذلك تطالب النقابة برفع العمر التشغيلي المقبول من 20 عاماً إلى 24 عاماً، ومنح مهلة انتقالية تمتد بين أربع وخمس سنوات تسمح لأصحاب الشاحنات بإعادة تكوين رأسمالهم وتجديد أساطيلهم تدريجياً.
قرارات معلقة… وخسائر يومية
يكشف حسين أن ملف تسجيل سيارات النقل الخارجي لا يزال عالقاً لدى الجهات الرسمية، رغم الوعود المتكررة.
كما أن تعديل شروط لوحات الشاحنات وتمديد الأعمار التشغيلية يحتاج إلى قرارات استثنائية تراعي الواقع الاقتصادي الذي يعيشه لبنان.
ويقول إن النقابة ناقشت هذه الملفات في اللجان النيابية ومع وزارات الزراعة والداخلية، إلا أن التنفيذ لا يزال متعثراً.
ويحذر العاملون في القطاع من أن أي تأخير إضافي قد يؤدي إلى خسارة الفرصة التي فتحتها الأسواق الخليجية قبل أن تستعيد الدول المنافسة حصصها.
أزمة السكانر… حلقة إضافية في سلسلة التعطيل
من الملفات التي لا تزال تثير استياء القطاع أيضاً قضية جهاز السكانر في معبر المصنع.
فعلى الرغم من الوعود الرسمية بإعادة تشغيله وتسهيل عمليات العبور، يؤكد أصحاب الشاحنات أن الإجراءات العملية لم تكتمل بعد، ما ينعكس بطئاً في حركة الشحن وزيادة في الأكلاف التشغيلية.
ويعتبر العاملون أن تحديث البنية الحدودية أصبح شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة بحركة التصدير اللبنانية.
العمالة غير اللبنانية… أزمة خفية تضرب النقل البري
بعيداً عن الشاحنات، يبرز ملف آخر لا يقل خطورة، ويتمثل في النقص الحاد في السائقين اللبنانيين، مقابل تعقيدات مرتبطة بإقامات السائقين غير اللبنانيين.
وتشير النقابة إلى أن مئات الشاحنات بقيت متوقفة بسبب هذه المشكلة، ما يستوجب خطة حكومية لتنظيم سوق العمل في قطاع النقل، وتأمين الأطر القانونية التي تمنع توقف الأسطول عن العمل.
اقتصاد البقاع… المستفيد الأول والخاسر الأكبر
لا يقتصر تأثير إعادة تشغيل الترانزيت على أصحاب الشاحنات.
فالقطاع يشغّل بصورة مباشرة وغير مباشرة آلاف اللبنانيين.
وتتوقع النقابة أن تستفيد 3500 عائلة في البقاع مباشرة من عودة الحركة، إضافة إلى عشرات المؤسسات المرتبطة بالنقل، من محطات الوقود، وورش الميكانيك، ومحال الإطارات والزيوت، ومزودي الثلج، ومكاتب التخليص الجمركي، والمزارعين والمصدرين.
أي أن كل شاحنة تعود إلى الطريق تعني عملياً عودة دورة اقتصادية كاملة.
رسالة إلى الرياض… ورسالة إلى بيروت
يوجه رئيس نقابة الشاحنات المبردة أحمد ديب حسين رسالتين متوازيتين.
الأولى إلى المملكة العربية السعودية، مطالباً بمنح استثناء مؤقت يسمح بزيادة العمر التشغيلي للشاحنات، بما يساعد القطاع على استعادة عافيته.
أما الرسالة الثانية فهي إلى الدولة اللبنانية، للإسراع في إصدار القرارات العالقة المتعلقة بتسجيل الشاحنات، وإصلاح البنية الحدودية، وتأمين حلول لملف السائقين، حتى لا تتحول فرصة الانفتاح العربي إلى فرصة ضائعة جديدة.
هل المشكلة خارجية أم داخلية؟
تكشف هذه الأزمة أن الانفتاح العربي على لبنان لم يعد العقبة الأساسية أمام التصدير، بعدما فتحت المملكة العربية السعودية أسواقها مجدداً، وأعلنت سوريا إعادة تشغيل المعابر.
غير أن الاختبار الحقيقي بات داخلياً، ويتمثل في قدرة الدولة اللبنانية على اتخاذ قرارات سريعة تتجاوز البيروقراطية، وتؤمن بنية تحتية حديثة، وتمنح القطاع الخاص القدرة على المنافسة.
فالاقتصاد اللبناني يحتاج اليوم إلى قرارات تنفيذية أكثر مما يحتاج إلى وعود سياسية، لأن أي تأخير يعني خسارة أسواق استعادت ثقتها بالمنتج اللبناني، بينما لا تزال المؤسسات الرسمية تتعامل ببطء مع ملفات حيوية تمس الأمن الغذائي والصادرات والعملة الصعبة.
نجاح إزالة الحواجز والعقبات
اليوم يقف قطاع النقل البري عند مفترق طرق تاريخي. فإما أن تتحول إعادة فتح الأسواق الخليجية والمعابر البرية إلى نقطة انطلاق لعودة الصادرات اللبنانية وإنعاش الاقتصاد الوطني، وإما أن تضيع الفرصة بسبب ملفات إدارية مؤجلة، وقرارات لم تصدر، وإصلاحات لم تنفذ.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تنجح الدولة اللبنانية في إزالة الحواجز التي صنعتها مؤسساتها قبل أن تغلق الأسواق أبوابها مجدداً؟ أم أن شاحنات الترانزيت ستبقى رهينة البيروقراطية، فيما يدفع المزارع والصناعي والاقتصاد الوطني ثمن التأخير؟.

