صادق الجابري
يشير غياب تصنيف ائتماني سيادي فعّال لليمن لدى وكالات دولية مثل Standard & Poor’s إلى مستوى مرتفع من المخاطر المرتبطة ببيئة الاستثمار، وهو مؤشر يعكس هشاشة الاستقرار الاقتصادي والمالي، ويؤثر بشكل مباشر على ثقة المستثمرين وتدفقات رؤوس الأموال، فالتصنيف الائتماني لا يُعد مجرد تقييم فني، بل يمثل شهادة ثقة عالمية بقدرة الاقتصاد على الوفاء بالتزاماته، وغيابه يضعف قدرة الشركات على الوصول إلى التمويل، ويرفع تكلفة الاستثمار، ويحد من فرص التوسع والنمو.
منذ اندلاع الحرب في مارس 2015، واجه القطاع الخاص اليمني تحديات غير مسبوقة، شملت تدمير البنية التحتية، وانقطاع سلاسل الإمداد، وتراجع القوة الشرائية، وارتفاع تكاليف التشغيل، إلى جانب حالة عدم اليقين الناتجة عن تعدد السياسات الاقتصادية والنقدية، وقد أدى ذلك إلى إغلاق أو تعثر عدد كبير من الشركات، وتراجع النشاط الاستثماري، وتحول أولويات كثير من المؤسسات من النمو إلى البقاء.
في هذا السياق، شهدت البلاد نزوحًا ملحوظًا لرؤوس الأموال الوطنية، حيث اتجه العديد من المستثمرين إلى نقل أصولهم أو توسيع أعمالهم خارج اليمن، خصوصًا نحو المملكة العربية السعودية ومصر، بحثًا عن بيئات أكثر استقرارًا، وقد أسهم هذا النزوح في تقليص حجم الاستثمار المحلي، وحرمان الاقتصاد من موارد مالية وخبرات كان يمكن أن تسهم في دعم التعافي الاقتصادي.
ورغم هذه الظروف، لا يزال القطاع الخاص الذي بقي في اليمن يتحمل أعباءً استثنائية، تشمل صعوبة الوصول إلى التمويل، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع المخاطر التشغيلية، وضعف البيئة التنظيمية، ومع ذلك، واصل عدد من رجال المال والأعمال والمستثمرين التمسك باستثماراتهم داخل البلاد، مدفوعين بمسؤولية وطنية وإيمان بأهمية الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي، وتوفير السلع والخدمات، وحماية فرص العمل في واحدة من أصعب المراحل التي مر بها الاقتصاد اليمني الحديث.
إن بقاء هذه الشريحة من المستثمرين لم يكن مجرد خيار اقتصادي، بل يمثل مساهمة مباشرة في تعزيز صمود الاقتصاد الوطني، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي للمواطنين، وهو ما يؤكد أن القطاع الخاص لم يكن مجرد متأثر بالأزمة، بل كان أيضًا أحد أهم أدوات التخفيف من تداعياتها.
وفي المحصلة، تؤكد المؤشرات السيادية، ونزوح رؤوس الأموال، وتعثر عدد من الشركات، أن بيئة الاستثمار في اليمن لا تزال تواجه مخاطر مرتفعة، غير أن استمرار جزء من القطاع الخاص في العمل داخل البلاد يعكس وجود قاعدة اقتصادية قادرة على دعم التعافي متى ما توفرت ظروف أكثر استقرارًا، ويظل تحسين المؤشرات الاقتصادية واستعادة الثقة الاستثمارية مرهونًا بتهيئة بيئة أكثر استقرارًا وقابلية للتنبؤ، بما يمكّن القطاع الخاص من الانتقال من مرحلة الصمود إلى مرحلة التعافي والنمو، واستعادة دوره الكامل كشريك رئيسي في إعادة بناء الاقتصاد الوطني.

