تعيد نتائج انتخابات تشرين الثاني 2025 رسم المشهد السياسي من جديد من دون أن تفتح الباب أمام قوى جديدة، إذ بدا واضحاً أن الخريطة النيابية استقرت تقريباً كما كانت، مع حضور واسع للكتل السياسية المتنفذة، مقابل تراجع كبير للقوى المدنية والتشرينية التي كانت تراهن على استعادة جزء من تمثيلها داخل البرلمان.
وبرغم عودة عدد من الأحزاب والحركات المدنية إلى السباق الانتخابي عبر تحالفات مختلفة، إلا أن حصيلتها النهائية جاءت محدودة جداً قياساً بالزخم الذي سبق الانتخابات.
القيادي في التيار المدني والحزب الشيوعي العراقي صالح رشيد، قدّم في حديثه لـ”بغداد اليوم”، قراءة مباشرة لوضع القوى المدنية، واصفاً انتخابات تشرين الجاري بأنها “انتخابات المال السياسي بامتياز”، مؤكداً أنها أسهمت في “إبعاد القوى المدنية بكل عناوينها، ومنها الحزب الشيوعي والقوى التشرينية”. وأضاف أن “حجم الأموال التي صُرفت من قبل بعض القوى المتنفذة غيّر بوصلة الفائزين بنسبة تصل إلى 90%”، لافتاً إلى أن “المرشح المدني تنافس أمام مرشحين يمتلكون مليارات الدنانير، وهو ما يجعل المنافسة غير عادلة بشكل واضح”.
وبحسب رشيد، فإن “المال السياسي أصبح اليوم أقوى من السلاح المنفلت والعشائرية والقومية، لأنه أعاد تدوير القوى المتنفذة من جديد”، محذراً من أن ما جرى يمثل “مؤشراً خطيراً يستدعي وقفة حقيقية”، خاصة في ظل غياب رقابة فعّالة من الأمم المتحدة، مقابل حضور أكبر للدور الإقليمي في متابعة العملية الانتخابية.
ودخلت القوى المدنية هذه الانتخابات منقسمة على عدة قوائم صغيرة، بعد أن كانت في دورات سابقة أكثر قدرة على العمل ضمن تحالفات واسعة. كما واجهت تحديات كبيرة تتعلق بضعف التمويل، وصعوبة تغطية المراكز الانتخابية بمراقبين، وبيئة قانونية وتنظيمية لا تمنح الكيانات الصغيرة فرصاً متكافئة. وبالتوازي، تصاعدت شكاوى من انتشار ظاهرة شراء الأصوات واستخدام المال السياسي في عدد من المحافظات، خصوصاً في المناطق الفقيرة، ما جعل المنافسة أكثر ميلاً لصالح القوى التي تمتلك شبكات منظمة وقدرات مالية كبيرة.
إلى جانب ذلك، تراجع الدور الأممي في الرقابة على الانتخابات مقارنة بدورات سابقة، في ظل توجه بعثة الأمم المتحدة نحو تقليص مهامها في العراق. هذا الفراغ الرقابي، بحسب مراقبين، سمح بزيادة تأثير العوامل الداخلية والإقليمية على مجريات الانتخابات، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على فرص القوى المدنية.
كما أثار رشيد تساؤلات حول “جدوى وجود أكثر من مليوني مراقب للكيانات السياسية في وقت حُسم مصير أكثر من 100 مقعد قبل إجراء الانتخابات فعلياً”، موضحاً أن أغلب هؤلاء المراقبين تابعون للكيانات الكبيرة، ما جعل الرقابة تُدار في كثير من الأحيان من داخل مراكز نفوذ تلك القوى نفسها.
وتشير قراءة أوسع للمشهد إلى أن النظام السياسي ما يزال يُدار داخل حدود المكونات الكبرى، حيث تتنافس الكتل الشيعية والسنية والكردية داخل كل مكوّن على تثبيت أوزانها، بينما يضيق الهامش المتاح للقوى المدنية العابرة للطوائف مع كل دورة انتخابية جديدة. وقد حاولت هذه القوى كسر هذا النمط عبر تحالفات جديدة، لكنها واجهت تحديات بنيوية تتعلق بالقانون الانتخابي، وضعف التنظيم، وعدم توفر دعم مالي كافٍ.
ومع ذلك، لا تبدو القوى المدنية بصدد الانسحاب من المجال العام، إذ أكد الحزب الشيوعي أنه يثمن أصوات من دعموه، ويرى أن مشروع التغيير لا يتوقف على التمثيل البرلماني فقط، بل يمتد إلى العمل السياسي والمجتمعي في مستويات مختلفة.
في المحصلة، تكشف انتخابات 2025 عن واقع يؤكد تفوق المال السياسي كعامل حاسم في تشكيل النتائج، مقابل تراجع فرص القوى المدنية في المنافسة. وتظهر الحاجة الملحة إلى مراجعة جادة لقواعد التنافس الانتخابي، بما يشمل ضبط المال السياسي، وتعديل القانون الانتخابي، وتعزيز الرقابة، لضمان بيئة أكثر توازناً في الدورات المقبلة. فمن دون هذه المراجعة، ستبقى حظوظ القوى المدنية محدودة، وسيستمر البرلمان في إعادة إنتاج التوازنات ذاتها التي حكمت المشهد السياسي خلال السنوات الماضية.
تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم





