تصريحات متناقضة ورسائل غير مباشرة تكشف مسارات خفية واتصالات عبر وسطاء وسط تصعيد عسكري وضغوط متزايدة تفتح باب تسويات هشة وموقتة
تحت ضجيج الانفجارات التي تضج بها المنطقة واستمرار التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تتوالى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب تبشر بمفاوضات في مشهد دبلوماسي غامض ومعقد تتداخل فيه الرسائل السياسية المتناقضة مع دوي الصواريخ والمسيرات. وبينما يمضي الرئيس الأميركي في تأكيد انفتاحه على التفاوض، تنفي طهران في العلن وجود مسارات تفاوضية جدية، بينما يتبين من حين لآخر انخراطها عبر قنوات اتصال غير مباشرة.
تباين الخطاب العلني لا يمكن قراءته بوصفه مجرد اختلاف في المواقف، بل يعكس نمطاً أوسع من الدبلوماسية المركبة التي توظفها أطراف الصراع لتحقيق أهداف تكتيكية تتجاوز فكرة الوصول إلى تسوية نهائية للحرب، ما يطرح السؤال عما إذا كنا أمام مسار حقيقي نحو اتفاق شامل محتمل، أم محاولة لاحتواء التصعيد وإدارته.
مقترح الـ15 نقطة
وفق المُعلن، فإن الولايات المتحدة بعثت عبر الوسطاء لطهران مقترحاً من 15نقطة لإنهاء الحرب، يشمل وقف تخصيب اليورانيوم وإعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع العقوبات ودعم برنامج الطاقة النووية المدنية. سبق ذلك، إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه يشعر بالتفاؤل حيال المسار الدبلوماسي مع إيران، بعد الضربات التي باشرتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدها منذ 28فبراير (شباط) والتي أسفرت عن مقتل المرشد الإعلى آية الله علي خامنئي وكبار قادة النظام. وأكد أن إيران تتوق إلى التوصل إلى اتفاق لإنهاء القتال المستمر منذ ما يقرب من أربعة أسابيع.
على رغم تصريحات الوسطاء في باكستان ومصر وتركيا، التي تؤكد المحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، فإن إيران تنفي حدوث أي نوع من المفاوضات وتتعهد بمواصلة القتال حتى النصر. ففي مطلع الأسبوع، نفت طهران وجود مفاوضات جارية مباشرة أو غير مباشرة مع الأميركيين. ونقلت وكالة أنباء “إرنا” عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، الإثنين، أن دولاً صديقة أرسلت رسائل في الأيام القليلة الماضية تشير إلى طلب الولايات المتحدة إجراء محادثات لإنهاء الحرب، إلا أن إيران لم ترد بعد على ذلك.
كذلك نفى رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، في بيان منسوب له على منصة “إكس”، إجراء أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، قائلاً إن هذه “الأخبار المزيفة تُستخدم للتلاعب بالأسواق المالية وأسواق النفط والهروب من المستنقع الذي وجدت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل نفسيهما”.
ومع ذلك، فإنه عقب إعلان الولايات المتحدة عن مقترح الـ15 نقطة، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن بلاده تدرس المقترح، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن بلاده لا تنوي إجراء محادثات لإنهاء الحرب. وقال إن طهران وواشنطن تبادلتا رسائل مختلفة عبر وسطاء لكن لا يوجد حوار أو مفاوضات مع الولايات المتحدة. موضحاً في مقابلة مع التلفزيون الرسمي أمس الأربعاء، أن “الرسائل تنقلها دول صديقة لنا وردنا عليها بتوضيح مواقفنا أو إصدار التحذيرات اللازمة لا يُسمى تفاوضاً أو حواراً… إنه مجرد تبادل للرسائل عبر أصدقائنا”.
وضمن فيض من التصريحات المتضاربة بين الطرفين، قال ترمب، في كلمة ألقاها في وقت لاحق أمس خلال فعالية في واشنطن إن القادة الإيرانيين “يتفاوضون، بالمناسبة، ويتوقون لإبرام اتفاق لكنهم يخشون الإفصاح عن ذلك خشية أن يقتلهم شعبهم. ويخشون أيضاً أن نقتلهم نحن”.
دبلوماسية الظل
هذا المشهد الذي ربما يوحي بالارتباك والتناقض، يعكس استراتيجية الطرفين في إدارة الصراع أو خفض التصعيد، بقدر تعقيده. لكن ثمة شيئاً لطالما اتسمت به العلاقة بين البلدين اللذين يرتبطان بعلاقة عداء منذ صعود نظام الجمهورية الإسلامية إلى الحكم عام 1979، وهى دبلوماسية الظل أو المحادثات غير الرسمية بحيث تفشل عادة الاتفاقيات العلنية بين الطرفين.
رسخ الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان لهذا النوع من الدبلوماسية منذ صفقة الإفراج عن موظفي السفارة الأميركية في طهران، وإن كان بعضها تم بشكل مباشر لكن في الخفاء، فالاتفاق النووي الذي عقدته القوى الدولية الست مع إيران عام 2015، سبقه الكثير من المحادثات السرية الثنائية بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين في سلطنة عمان بين عامي 2012 و2013. وتكشف في مطلع عام 2015، أن أوباما تبادل وخامنئي رسائل سرية بدأت بمبادرة من الرئيس الأميركي لتحسين العلاقات، وشملت عرض أوباما للتعاون بين البلدين في قتال تنظيم “داعش” إذا ما تم التوصل إلى اتفاق حول برنامج طهران النووي.
بث الريبة والتفاوض تحت ضغط
في المشهد الحالي تختلف أهداف واستراتيجيات كل طرف وهو ما يقف وراء تلك التصريحات المتناقضة. فمنذ إطلاق الحرب إلى جانب إسرائيل في 28 فبراير، قدّم دونالد ترمب أهدافاً متغيرة وغالباً ما كانت غامضة، وقد ظهرت هذه الرسائل المتباينة بوضوح في الأيام الأخيرة. فقد تحدث الرئيس الأميركي عن إضعاف أو تدمير قدرات إيران الصاروخية، وتقليص قدرتها على تهديد جيرانها، وهي أهداف يملك قدراً من المرونة في إعلان تحقيقها.
لكن الهدف الأكثر صعوبة هو ضمان ألا تتمكن إيران أبداً من امتلاك سلاح نووي، وقد أصر ترمب على أن يكون ذلك جزءاً من أي اتفاق. كذلك أصبح إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي يمر عبره 20 في المئة من إنتاج النفط العالمي، أولوية الآن لترمب وللاقتصاد العالمي. وفيما يتحدث ترمب عن الانخراط مع قادة إيران، فقد تراجع عن الترويج لفكرة انهيار النظام. في المقابل، لا يزال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يؤكد أن هدف الحرب هو مساعدة الإيرانيين على إسقاط النظام الديني الحاكم.
وفي الوقت الذي يسعى فيه ترمب لتحقيق أهدافه، فإنه يسعى لمزيد من إضعاف النظام الإيراني وتكثيف الضغط عليه عبر استمرار حملة القصف الجوي، وفي الوقت نفسه اتباع استراتيجية التصريحات المتضاربة والغامضة. فسعى ترمب خلال الأيام القليلة الماضية إلى استخدام الغموض كسلاح سياسي ونفسي داخل الجمهورية الإسلامية. فبقوله إنه كان يتحدث مع شخصية إيرانية رفيعة المستوى من دون تسميتها، فإنه يزرع الشك والريبة بين ما تبقى من القيادة في طهران. وفي ظل الظروف الراهنة، يُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية، إذ يعيش قادة إيران في الخفاء ومراكز القيادة معطّلة والاتصالات محدودة خوفاً من التنصت والاغتيال. ووفق الكاتب الإيراني مهدي برينجي، فإن بعض أعضاء البرلمان المتشددين، بمن فيهم حامد راسائي، أعلنوا عن آرائهم وبدأوا بطرح الأسئلة بشأن من يتحدث مع الأميركان، وهذا تحديداً ما يسعى ترمب إلى تحقيقه.
وفي منشور صباح الخميس، سعى ترمب لإبراز حالة فراغ القيادة داخل إيران، قائلاً إن “المفاوضين الإيرانيين مختلفون تماماً وغريبون”. وفي إطار حربه النفسية، واصل التأكيد على أنهم “يتوسلون” لعقد صفقة، مضيفاً “وهو ما ينبغي عليهم فعله بعد هزيمتهم العسكرية الساحقة، وانعدام أي فرصة لعودتهم، ومع ذلك يصرحون علناً بأنهم “ينظرون فقط في مقترحنا. خطأ فادح! من الأفضل لهم أن يأخذوا الأمر على محمل الجد قريباً، قبل فوات الأوان، لأنه بمجرد حدوث ذلك، لن يكون هناك رجوع، ولن يكون الأمر سهلاً!”، موقعاً في نهاية المنشور باسمه.
ومع ذلك، يقول الزميل الرفيع المتخصص في الشأن الإيراني لدى معهد واشنطن فرزين نديمي، في حديثه لـ”اندبندنت عربية”، إن الموقف الأميركي أصبح أكثر مرونة تكتيكياً، وإن لم يكن ذلك على الصعيد الخطابي. فتراوحت الرسائل السابقة من ترمب وبعض أعضاء فريقه بين لغة متشددة – تتمثل أساساً في شلّ النظام، أو الاستسلام غير المشروط، أو تدمير الجيش الإيراني والقيادة المتبقية، وصياغة أكثر تحديداً تركز على منع امتلاك سلاح نووي وإضعاف القدرات الصاروخية. بينما ما نشهده الآن يبدو وكأنه تحول من التشدد الفوري نحو مسار تفاوضي قسري يستهدف إعادة فتح مضيق هرمز، ووقف الهجمات، وتجميد المرحلة التالية من التصعيد، ثم اختبار إمكانية التوصل إلى اتفاق أوسع. وهو تحول عملي، حتى وإن لم يُعترف به دائماً علناً.
على الجانب الآخر، يسعى النظام الإيراني إلى ضبط النفس داخلياً وتجنب الظهور بمظهر الضعيف أثناء التفاوض تحت الضغط. لذا فإنهم إضافة إلى إصرار النفي على وجود محادثات، فإن التصريحات الصادرة من طهران بشأن مطالبهم من أجل وقف إطلاق النار اتخذت منحى أكثر تشدداً، ويتحدثون بقوة عن نظام جديد للمرور عبر مضيق هرمز تفرض من خلاله طهران تحصيل رسوم على سفن الشحن على غرار قناة السويس في مصر. كذلك تطالب بدفع تعويضات عن أضرار الحرب وإغلاق قواعدها في المنطقة، وهما مطلبان غير قابلين للتحقيق.
ويرى مراقبون إنه من شبه المؤكد أن طهران تريد من أي اتفاق أن يُقر بأنها لن تتفاوض من موقع الإذلال العلني. لهذا السبب، فإن الرسائل الإيرانية المتضاربة مهمة وتتمثل في إنكار ظاهري، واختبار داخلي.
تسوية أم احتواء
لا يأمل المراقبون في الكثير من هذه المفاوضات بشأن تسوية الحرب، إذ تبدو آفاق التوصل إلى اتفاق دبلوماسي ينهي الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قاتمة في الوقت الراهن. لكن آخرون يرون أن هناك مساراً ممكناً لاتفاق، إذا كان الطرفان مستعدين للانخراط. فتوقف الضربات يشير إلى رغبة واشنطن في اختبار ما إذا كان الضغط العسكري قد خلق نفوذاً كافياً للتوصل إلى اتفاق محدود. لكن رسائل طهران المتضاربة توحي بقوة بأن النظام لا يزال يحاول تجنب الظهور بمظهر المفاوض تحت ضغط الحرب، ما يعني أنه حتى لو كانت المحادثات حقيقية، فهي هشة وقابلة للإنكار.
وعسكرياً، يشير هذا عادة إلى أحد مسارين على المدى القريب: إما خفض تصعيد قصير الأجل يركز على مضيق هرمز والبنية التحتية الحيوية، تليه محادثات أوسع؛ أو انهيار الاتصالات، تليه عودة الضربات، ربما بشكل أشد من ذي قبل لأن كلا الجانبين سيستنتج فشل التوقف. لذا، فإن المسار الأكثر ترجيحاً على المدى القريب هو خفض تصعيد جزئي غير مستقر مع خطر كبير للانتكاس، بخاصة إذا استمرت إيران في محاولة الحفاظ على نفوذها القسري في الخليج العربي بينما تصر الولايات المتحدة على استعادة حرية الملاحة كشرط أساسي، لذا يخيم خطر التصعيد على المشهد. ويقول نديمي: “لا أفترض أن الحرب تقترب من نهايتها. بل أفترض أن كلا الجانبين يختبران ما إذا كان بإمكانهما تحويل الضغط الميداني إلى مكاسب سياسية من دون التنازل عن الكثير”.
ومن المرجح أن تكون أي محادثات محفوفة بالتوتر. وفي مؤشر على صعوبة الوضع، قال مسؤولون أميركيون إن الولايات المتحدة وإسرائيل أزالتا اسمي عراقجي وقاليباف، المعروف بمواقفه المتشددة، من “قوائم الاستهداف” لمدة أربعة إلى خمسة أيام، لإتاحة مشاركتهما في حال انعقاد المحادثات.
عدم الثقة ومسار ضيق
بطبيعة الحال، يسيطر مناخ من عدم الثقة على مفاوضات تحت القصف. ففي حين تحتاج إيران إلى وقف الحرب، أشار قادة طهران إلى صعوبة التفاوض مع رئيس انخرط في محادثات في الماضي ثم لجأ فجأة إلى قصفها.
وعلى الجانب الآخر، يكره ترمب استراتيجية التفاوض المفتوح التي اعتاد النظام الإيراني اتباعها. فعلى مدار أكثر من عقدين من التفاوض حول البرنامج النووي الإيراني، اتبع النظام في طهران استراتيجية العمل بشكل متحفظ وسري، مما يتيح لهم التحكم في تدفق المعلومات وإطالة أمد المحادثات لكسب الوقت وإرهاق الطرف الآخر في التفاوض. وربما يكون هذا أحد العوامل التي دفعت الإدارة الأميركية إلى سرعة اتخاذ قرار الحرب، وفي الوقت نفسه يقوم ترمب حالياً بتقديم سرد مضاد يواجه عناد إيران ويزود الجمهور الإيراني بمعلومات دقيقة.
وعلى رغم كل ذلك، يرى مراقبون أنه لا يزال هناك مسار ضيق نحو اتفاق. فإذا قرر الطرفان أن كلفة الحرب أصبحت لا تُحتمل، فقد يتوصلان إلى اتفاق يوقف القتال مع تأجيل البت في القضايا الأكثر تعقيداً. وقال المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأميركي لشؤون الشرق الأوسط مايكل سينغ، في تعليقات لصحيفة “وول ستريت جورنال”، إنه “من الممكن أن تستمر الولايات المتحدة في الإصرار على تحقيق جميع أهدافها، لكن من الممكن أيضاً التوصل أولاً إلى وقف إطلاق نار محدود يمهد لمفاوضات لاحقة تتناول القضايا الأوسع”.
ويشير المراقبون إلى أن لدى واشنطن وطهران تاريخاً في إنجاح المفاوضات على رغم التباينات الكبيرة، من خلال تأجيل القضايا الأكثر خلافاً. فقد تضمن اتفاق 2015 النووي، الذي تم في عهد باراك أوباما، آليات زمنية تؤجل بعض الملفات، إذ قيد تخصيب إيران لليورانيوم لمدة 15 عاماً، وفرض قيوداً أخرى لمدة 25 عاماً. لكنه في الوقت نفسه سمح لإيران بمواصلة التخصيب، على رغم معارضة واشنطن الشديدة لذلك لسنوات، ولم يتضمن قيوداً صارمة على برنامجها الصاروخي كما كان معلناً، وهو سبب انسحاب ترمب خلال ولايته الأولى من الاتفاق، وهو ما أدى تدريجاً إلى ذلك الصراع.
وقال السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل دانيال شابيرو، إنه “من الممكن التوصل إلى اتفاق يحصل فيه كل طرف على جزء من مطالبه”. وقد يهدف الاتفاق إلى وقف القتال وإعادة فتح مضيق هرمز، على أن تُؤجل قضايا مثل التخلص من المواد النووية الإيرانية إلى مراحل لاحقة، بينما قد تبقى ملفات أخرى، مثل البرنامج الصاروخي ودعم الميليشيات، من دون حل لفترة طويلة. وفي المقابل، ستحصل إيران على تخفيف جزئي فقط للعقوبات. وأشار شابيرو، إلى أن “الحروب غالباً ما تنتهي بشكل فوضوي. وإذا أصبح الألم كبيراً بما يكفي، فقد ينتهي الأمر باتفاق جزئي وملتبس”.
انجي مجدي- اندبندنت عربية

