كتب/ عدنان باوزير

فليكن شهر رمضان فرصة حقيقية لصنع السلام وإحلال الوئام، وليكن بمثابة نافذة نجاة، ينبغي أن تُفتح طوعا قبل أن تُكسر.
أحد عشر عامًا، واليمن يمشي على جمره، حافي الروح، مثقّل الخطى، كأنه نبيٌّ منسيٌّ في صحراء الانتظار.
أحد عشر عامًا، والساعة اليمنية لا تُقاس بالدقائق، بل بعدّاد القذائف، ومعاناة الخبز والمحروقات، وإنقطاع مرتبات وأزمات لا تنتهي، وأجنحة طائرات كانت لا تهبط إلا لتغادر أحلام وأرواح الناس.
منذ أن قررت السعودية في 26 مارس 2015 أن تُجرب حظها في هندسة الجغرافيا بالقنابل، ظنّت أن اليمن صفحة بيضاء في دفترها الاستراتيجي، فإذا بها تكتشف — متأخرة — أن الجبال لا تُمحى بالممحاة، وأن الشعوب ليست هامشًا في كتاب أحد. دخلت الحرب بقبضة من نار، فوجدت نفسها بعد أعوام تغرق في مستنقعٍ صنعته بيديها، وكلما حاولت الخروج منه ازداد الطين التصاقًا بعباءتها.
أحد عشر رمضانًا مرّت، واليمنيون يفطرون على أخبار الهدن الممدودة كما يُمدّ العجين بلا خبز، ويتسحّرون على مفاوضاتٍ تُدار كأنها لعبة شطرنج بلا ملكٍ يريد أن يُعلن كش ملك. هدنة تُمدّد، ثم تُمدّد، ثم تُلفّ بورقٍ دبلوماسي أنيق، لكن تحت الغلاف… لا شيء سوى الفراغ.
وسيهلّ رمضان بعد غد، كعادته، هلالًا مباركا يخجل من ضجيج الأزمات ومن أنين المعاناة. رمضان ليس شهر المعجزات السياسية، لكنه شهر المراجعات الكبرى. شهرٌ يُفترض أن تتصالح فيه القلوب قبل الخرائط، وأن تُرفع فيه الأيدي بالدعاء بدل أن تُرفع فيه الطائرات أو الصواريخ بالحمولات. فهل يكون هذا الشهر فرصة للوئام الحقيقي، لا استراحة محاربٍ يتثاءب؟
على السعودية أن تكفّ عن تمطيط اللحظة، وعن تدوير الزوايا الحادّة ببلاغة البيانات. الاعتراف بالفشل ليس سقوطًا، بل أول درجات الخروج من الحفرة. أما المكابرة فهي أن تُقنع نفسك أن المستنقع بركة سباحة، وأن الغرق مجرد تمرينٍ على التحمّل.
لقد آن الأوان لرفع الحصار عن مطارات اليمن وموانئه، فالأطفال لا يفهمون في توازن الردع، والمرضى لا ينتظرون نتائج المفاوضات واللجان المشتركة. ملايين اليمنيين يدفعون ثمن قرارٍ اتُّخذ في ساعة حماسةٍ عابرة، وها هم يسدّدون فاتورته منذ عقدٍ كامل، بالدم والدمع والديون.
ثم ماذا عن الأطراف اليمنية المنظوية تحت المظلّة السعودية؟
ألم يحن وقت الحساب؟ أحد عشر عامًا من التجربة، أليست كافية لاستخلاص الدرس؟ السياسة ليست وفاءً أعمى، بل قراءة باردة للواقع. ومن لا يُغيّر تكتيكه بعد كل هذه السنوات، كمن يطرق بابًا مغلقًا ثم يلوم الباب لأنه لم يتأثر بقبضته.
خذوا مثالًا: لو أن ما يُسمّى بـ المجلس الانتقالي الجنوبي لوّح — ولو همسًا — بإمكانية اضطراره للتحالف مع الأنصار تحت ضغط الإذلال، هل كانت السعودية ستُقدم على ما أقدمت عليه من إهانةٍ وحلٍّ وتهميش كما جرى الشهر الماضي؟
السياسة — يا سادة — تُحسن الإصغاء لمن يملك أوراقًا، حتى لو كانت أوراقه مجرد احتمال.
التلويح بهكذا ورقة ليس تراجع بالضرورة، بل أحيانًا هو صرخة كرامة في وجه من اعتاد أن يتعامل معك كرقمٍ في دفتر المصروفات. ولو لوّحت بقية الأطراف — من حكومة عدن إلى سائر الفصائل — بخيارٍ مختلف، بخيارٍ يُربك الحسابات ويُقلق النوم، لأدركت الرياض أن هؤلاء ليسوا مجرد توابع، بل لاعبين يمكن أن يغيّروا الطاولة.
في السياسة، الاحتمال قوة.
والاحترام لا يُمنح لمن يطرق الباب مستأذنًا، بل لمن يملك مفاتيح أخرى.
إذا ما عيل صبر الأنصار — وصبر الشعوب ليس بلا نهاية — فلن يكون المشهد مجرد تبديل مواقع، بل إعادة تعريف للمعادلة بأكملها. واليمن، الذي صمد أحد عشر عامًا تحت الحصار والنار، لن يعجز عن الصمود في وجه مراوغةٍ إضافية. لكنه، في المقابل، لن ينسى.
رمضان على الأبواب. فإما أن يكون شهر مصالحةٍ حقيقية، تُقرّ فيها الرياض بثقل خطئها، وتدفع كلفة مغامرتها، وتفتح الموانئ قبل البيانات، وإما أن يبقى هلالًا جميلًا يعلّق في سماءٍ متعبة، بينما الأرض تواصل تدوين حكاية صبرٍ طال، حتى أوشك أن يُستنفد.
والتاريخ — ذلك القاضي الصامت — لا ينسى من بدأ النار، ولا من أطال أمدها، ولا من أضاع فرصة إطفائها.
وختامًا، ينبغي أن يُقال ما يُهمَس به في الكواليس: إن الضغط إذا طال بلا أفق، فقد يتحول إلى شرارة. والأنصار — وقد خبروا الحرب عقدًا كاملًا — قد ينفجرون في أية لحظة إذا انسدّت السبل، فيشتعل الإقليم كلّه بنارٍ لن تقف عند حدود اليمن. وحينها لن يكون لديهم ما يخسرونه؛ فمَن اعتاد الحصار، لا يرعبه اتساع الدخان.
فليكن رمضان إذن نافذة نجاة، قبل أن تتحول النافذة إلى فوهة.

نقلا عن موقع الاحقاف نيوز

By admin