عبدالرزاق علي
من المعروف أن بناء يمن المستقبل يبدأ بإعادة بناء عقد الثقة بين المواطن والمؤسسة في كل مكان، وهذا عادة لا يحدث إلا بسياسة إصلاحية جريئة وحلول سياسية إيمانية شاملة تسعى لتعزيز الروابط بين المؤسسات الحكومية والمجتمع، بحيث تستشعر المؤسسة وظيفتها الخدمية تجاه كل مواطن، وبدوره يخرج المواطن من دائرة التهميش والعزلة ليشعر بأنه شريك فعال في إنجاح عمل المؤسسة الحكومية أو الخاصة.
في هذا الإطار، نلاحظ نجاح حكومة صنعاء – رغم الصعوبات الجسيمة والعواصف السياسية والأزمات المعيشية التي تضرب اليمن بفعل العدوان والحصار – في الحفاظ على قدر من الجدارة المؤسسية وتعزيز هذه الروابط، فنرى المؤسسات الحكومية والخاصة في شمال اليمن حافظت على استمرارية تقديم الخدمات الأساسية في التعليم والصحة والأمن والمرور، وهو ما وفر للمواطن إطاراً مرجعياً واضحاً يعرف من خلاله من يخاطب ومَن يطالب، وماهي احتياجاته وعند من؟
خير دليل على هذا التفاعل الإيجابي، هي المبادرات المجتمعية التي تشهدها معظم المحافظات والمديريات الشمالية سواء في الجوانب الزراعية أو والإنشائية، حيث نلاحظ وجود مساهمات شعبية كبيرة مع دعم مؤسسي في إصلاح الطرق وإقامة الجمعيات الزراعية وحفر الآبار وإنشاء الجسور والمدرجات ورص وتعبيد الطرق الوعرة ووو.. هذا التكامل بين جهود المواطن والدعم الحكومي عزز فكرة الدولة وهيبتها، وبرزت المؤسسات الحكومية في عقلية المواطن ككيان وطني يستحق الحماية والدفاع وتضافر الجهود، مما عمّق شرعيتها في نظر المواطن.
في المقابل يعيش المواطن في جنوب اليمن حالة مختلفةً جذرياً تُشبه الانفصال المؤسسي… ففي الوقت الذي تخرج الجماهير العدنية في الشوارع شاكية من تردي الخدمات الأساسية وحالة السلب والنهب وغياب المؤسسات الحكومية والخاصة.. تجد قيادات تلك المؤسسات في حالة غياب كامل عن اداء دورها الخدمي بل لا يمكن مشاهدتها الا في شاشات التليفزيونات والسوشيال ميديا وهي تتنقل بين الفنادق والعواصم الخليجية باحثة عن لقمة عيش مغمسة بالذل والارتزاق أكبر وأكثر مما يتم نهبه في الداخل، حتى بات المواطن الجنوبي يرى عدن او حضرموت وهي تتساقط كأنها بلا أهل، بلا دولة، وبلا ضمير.
فالمواطن الشمالي وإن كان يعاني، فلا يزال يرى في المؤسسة – رغم كل عيوبها – طرفاً يمكن محاسبته أو التفاوض معه أو اللجوء إليه، أو التفاهم معه، ويرى في المسؤول الفلاني إبن مجتمعه الذي يمكن الجلوس معه وفهم إجراءاته وتطلعاته والأخذ والعطاء معه بسهولة، بينما المواطن في الجنوب يشعر أنه يعيش في فراغ مؤسسي، حيث لا طرف حقيقي يتحمل المسؤولية، مما يدفعه نحو المزيد من السخط والانكفاء على الذات أو البحث عن بدائل يرمم بها جراحه…

